قراءة في أحداث سبتة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قراءة في أحداث سبتة - بوابة المدينة برس

نحو تفسير ظاهرة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة

شهدت مدينة سبتة المحتلة حدثاً استثنائياً تمثل في تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص نحوها في فترة زمنية وجيزة، قبل أن يغادر معظمهم في أقل من 24 ساعة. أثارت هذه الواقعة تساؤلات عريضة نظراً لكونها لا تنسجم مع الصور التقليدية للهجرة غير النظامية.

تمثلت ميزة هذه الظاهرة في التنوع الاجتماعي والمهني للمشاركين؛ إذ لم تقتصر على فئة محددة، بل ضمت قاصرين، شباباً، شيوخاً، وأسراً كاملة، إلى جانب عاطلين عن العمل وموظفين، عمالاً، مهندسين، رياضيين، وأئمة مساجد، فضلاً عن أفراد من الطبقة المتوسطة. هذا التباين يجعل من الصعب إرجاع الحدث إلى العوامل الاقتصادية المباشرة وحدها كالفقر أو البطالة. هذا ما يجعل بعض الباحثين في علم الاجتماع يدرجون الواقعة ضمن “السلوك الجمعي”، حيث يتصرف الأفراد بشكل متزامن استجابة لظرف استثنائي أو إحساس مشترك، متجاوزين الحسابات الفردية العقلانية بفعل “العدوى الاجتماعية”.

تعددت القراءات التفسيرية للحدث:

قراءة سياسية/اجتماعية: اعتبرتها رسالة احتجاجية غير مباشرة على السياسات العمومية وفشل التدبير الحكومي، داعية إلى فتح نقاش وطني حول آفاق الشباب.

قراءة اقتصادية: ركزت على تدهور المؤشرات الاقتصادية، ارتفاع البطالة، وتراجع القدرة الشرائية.

إنها قراءات سياسية تركب على الحدث لتمرير رسائل انتخابية. فرغم أهمية العامل الاقتصادي، فإنه يظل غير كافٍ بمفرده. فالعديد من المشاركين لديهم دخل مستقر، لكنهم يشتكون “انسداد الأفق”؛ أي الشعور بأن الاستمرار في العمل لن يتيح لهم امتلاك مسكن، تحقيق الاستقلال المالي، أو تحسين وضعهم الاجتماعي.

لذا، فإن ما وقع في سبتة يدل على أن الهجرة الجماعية لا تعبر دائمًا عن البحث المباشر عن العمل أو الهروب من الفقر. فالظاهرة تكشف عن أزمة عميقة تتعلق بالشعور بالمستقبل، الانتماء، والثقة في تحقيق حياة أفضل داخل الوطن، مما يتطلب مقاربة متعددة التخصصات (اقتصاد، علم اجتماع، وعلم نفس سياسي) لفهمها. فحين يشارك الموظف إلى جانب العاطل، والمهندس إلى جانب القاصر، والأسرة بأكملها إلى جانب الفرد الأعزب، فإننا نكون أمام ظاهرة جماعية معقدة تتداخل فيها الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والرمزية.

تفكيك الظاهرة: مقاربة نفسية واجتماعية

تنشأ الهجرات الجماعية المفاجئة عن تفاعل معقد بين الظروف الموضوعية، التمثلات الذهنية، والاستجابات الجماعية، وتتفكك عبر ثلاثة مستويات تحليلية:

أولاً: العوامل النفسية والاجتماعية

أ- سيكولوجيا الجماهير والعدوى الاجتماعية

توضح الواقعة دور سيكولوجيا الجماهير في توجيه السلوك الجمعي. فعند انتشار أخبار عن انفتاح المعابر أو توفر فرصة استثنائية، يتولد لدى الأفراد شعور نفسي يُعرف بـ “الخوف من تفويت الفرصة”. (FOMO) هنا لا يستند القرار إلى عقلانية هادئة بقدر ما يرتبط بمنطق “الآن أو أبدًا”. فالأحداث الجماعية من هذا النوع كثيرًا ما تتجاوز الحسابات الفردية العقلانية، وتتحول إلى حالة من العدوى الاجتماعية التي تدفع أعدادًا كبيرة من الناس إلى اتخاذ القرار نفسه في وقت واحد، حتى وإن اختلفت دوافعهم الشخصية.

وتسهم شبكات التواصل والقرابة في تسريع انتشار الأخبار، فيتحول القرار الفردي إلى استجابة جماعية تبرر مشاركة فئات لا ترتبط بسوق العمل كالمرضى والمسنين والأسر. وتعمل العدوى الاجتماعية على تضخيم الحدث؛ فكلما زاد عدد المشاركين، تعززت القناعة لدى الآخرين بصوابية الفعل، ويتراجع التقدير الفردي لصالح محاكاة سلوك الجماعة.

ب- وهم «الفردوس المستعار» وصدمة الواقع

تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي صورة مثالية زائفة عن واقع مفترض لحياة المهاجرين في الغرب، يبرز الرفاه ويغفل العوائق القانونية وصعوبات الاندماج. أدت هذه الصورة دوراً في الاندفاع نحو الهجرة إلى ستبة باعتبارها بوابة الغرب “الفردوس المستعار”.

غير أن عودة معظم المشاركين خلال أقل من 24 ساعة تكشف عن صدمة الواقع؛ حيث اصطدمت التوقعات العالية بالواقع الأمني والقانوني الصارم، فتحول الحماس إلى صدمة وسريان للصحوة بنفس السرعة التي تشكل بها الوهم.

وتكشف هذه المفارقة عن الفجوة التي قد تنشأ بين الصورة الذهنية التي تصنعها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وبين الواقع الفعلي الذي يواجهه الأفراد عند الاحتكاك المباشر به، وهي فجوة كثيرًا ما تكون عاملًا حاسمًا في تفسير السلوك الجماعي في مثل هذه الأحداث.

ثانياً: العوامل الاجتماعية والثقافية: وهم الحرمان النسبي

تظهر أهمية هذا المستوى في تفسير مشاركة أبناء الطبقة المتوسطة والموظفين الذين لا يعانون الفقر المدقع. ولكن يغمرهم الإحساس بالحرمان. يفسره علماء الاجتماع بالحرمان النسبي.

مفهوم “الحرمان النسبي” صاغه علماء الاجتماع، ووظفوه بقوة في تفسير الاحتجاج والعنف. يقوم المفهوم على أن الفرد لا يقيم وضعه بناءً على ما يملك، بل بمقارنته بـ “الجماعة المرجعية”. فالحرمان لا ينشأ من نقص موضوعي في الموارد فحسب، بل من الفجوة بين الواقع الاجتماعي للفرد والمستوى الذي يعتقد أنه يستحقه.

وقد أثر التحول الرقمي المعاصر كثيرا في المقارنة، ففي الماضي كانت الجماعة المرجعية محصورة في المحيط المحلي (الجيران والأقارب). أما اليوم، فقد جعلت المنصات الرقمية المقارنة عالمية؛ حيث يتعرض الشباب يومياً لصور منتقاة بعناية تبرز نجاح المهاجرين والمؤثرين وتخفي معاناتهم. هذا التباين يوسع الفجوة بين التطلعات والإمكانات، مستولداً شعوراً دائماً بالإحباط. فلم تعد الهجرة مجرد بحث عن دخل، بل اكتسبت قيمة رمزية واجتماعية. أصبح “الرحيل” دليلاً على الجرأة وتأكيد الذات والانتماء لنموذج اجتماعي تقديري، مما يفسر مشاركة الموظفين والمهندسين والأئمة الذين يبحثون عن الترقي والاعتراف الاجتماعي، وليس فقط عن القوت.

ثالثاً: التأثير الرقمي؛ خوارزميات مدمرة

بمكن لنظرية الحرمان النسبي أن تفسر الدافع الكامن للرحيل، لكنها لا تفسر التوقيت. يتفجر هذا الدافع إلى فعل ميداني عندما يتزامن مع “نافذة الفرصة” الوهمية التي تنشرها منصات الاتصال الاجتماعي التي تعتمد على أدوات الإعلام الإلكتروني، فتتحول الرغبة الكامنة إلى اندفاع جمعي.

أصبحت المنصات الرقمية (تيك توك، إنستغرام، فيسبوك، وواتساب) الفاعل الأساسي في إعادة تشكيل تمثلات الشباب عن الهجرة، عن طريق تداول الأخبار بسرعة وتكرارها، ما يضفي عليها طابع الحقيقة دون تحقق، ويولد انطباعاً عاماً بفتح الحدود.

فمنصات الاتصال الاجتماعي تقدم المهاجر كنموذج للناجح والأنموذج البطل، مما يجعل الهجرة مشروعاً لبناء الهوية ونيل الاعتراف الجماعي. إلى جانب الأوهام التي ترسخها مشاهد البث المباشر التي تعرض التدفقات البشرية بطريقة تولد حس الضغط وشعوراً بوجوب التحرك السريع.

في ظل التكنولوجيا الإعلامية الإلكترونية الجديدة لم تعد الحدود تُرى كحواجز مطلقة وصارمة، بل كعائق مؤقت يمكن تجاوزه بالفرصة المناسبة. وتلعب الخوارزميات دورا كبيرا في ذلك، فأصبح النقاش قويا حول دور خوارزميات المنصات في تضخيم محتوى الهجرة. وبعيداً عن نظريات المؤامرة، تميل هذه الخوارزميات تجارياً إلى تضخيم المحتوى الذي يثير الانفعال والمشاركة بصرف النظر عن مضمونه، مما يساهم عفوياً في الانتشار المكثف.

خلاصات واستنتاجات

تؤكد المعطيات المتاحة أن التنوع الاجتماعي للمشاركين يمنع اختزال الظاهرة في الفقر والبطالة، ويؤكد أنها تعبير عن أزمة أفق وثقة في المستقبل.

إن تداخل العوامل لا يلغى دور الاقتصاد، لكنه يعمل داخل شبكة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية (الحرمان النسبي، التمثلات الرقمية، السلوك الجمعي، البحث عن الاعتراف).

ما يدعو إلى وضع خطة تنموية ثقافية اجتماعية. فالخطة الاقتصادية تركز بشكل أساسي على إدارة الموارد المالية، زيادة الإنتاج، والتحكم في التضخم والنمو المادي. أما الخطة التنموية فهي أشمل وأوسع، إذ تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية لتحسين جودة حياة الأفراد وتحقيق استدامة المجتمع على المدى الطويل.

تظل هذه التحليلات فرضيات تفسيرية تستند إلى المعطيات الأولية والمشاهدات الحالية، وليست أحكاماً قطعية، خاصة في ظل استمرار مراجعة الأرقام والمعطيات. ويستوجب فهم الظاهرة بدقة اعتماد دراسات ميدانية مسحية، إجراء مقابلات مباشرة مع المشاركين، تحليل خصائصهم الديموغرافية والاجتماعية، وفحص السياقات السياسية والإعلامية المحيطة بالحدث للوصول إلى نتائج علمية دقيقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق