رائدة أبحاث التوحد تحذر من الإفراط في التشخيص: المفهوم أصبح فضفاضا - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رائدة أبحاث التوحد تحذر من الإفراط في التشخيص: المفهوم أصبح فضفاضا - بوابة المدينة برس

حذرت عالمة الأعصاب الألمانية أوتا فريث، إحدى أبرز الباحثات اللواتي أسهمن في وضع الأسس العلمية الحديثة لفهم اضطراب التوحد، من اتساع مفهوم اضطراب طيف التوحد إلى درجة قد تفقده دقته العلمية، معتبرة أن العالم يشهد موجة من الإفراط في التشخيص بعد الارتفاع الكبير في عدد الحالات المسجلة خلال العقود الأخيرة.

وفي مقال رأي نشرته مجلة “Psychological Medicine”، رأت فريث، الأستاذة الفخرية بمعهد علم الأعصاب في كلية لندن الجامعية (UCL)، أن مفهوم اضطراب طيف التوحد أصبح يشمل نطاقا واسعا للغاية من الحالات، ما أدى إلى إرباك عملية التشخيص وزيادة احتمال تصنيف أشخاص ضمن الطيف رغم اختلاف أوضاعهم السريرية.

وقالت الباحثة إن مفهوم التوحد لم يكن دائما بهذا الاتساع، موضحة أنه عندما جرى التعرف عليه لأول مرة خلال أربعينيات القرن الماضي كان يقتصر على مجموعة صغيرة من الأطفال الذين يعانون صعوبات شديدة في التفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوك، غير أن التعريف توسع تدريجيا ليشمل أشخاصا يعانون أعراضا أخف، ولا يواجهون بالضرورة مشكلات في اللغة أو التعلم، وأضافت أن المعايير الحالية تجعل من الممكن تشخيص أي شخص، مهما كان عمره أو مستوى ذكائه، إذا استوفى الشروط المعتمدة.

واستندت فريث إلى أرقام تظهر حجم هذا التحول، إذ ارتفع معدل التشخيص في المملكة المتحدة من نحو أربع حالات لكل عشرة آلاف طفل خلال ستينيات القرن الماضي إلى طفل واحد من كل 57 تلميذا في الوقت الحالي، وهو ارتفاع يتجاوز 4000 في المائة، معتبرة أن هذا التطور لا يمكن تفسيره بتحسن وسائل التشخيص وحدها.

وأرجعت الباحثة هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، من بينها تنامي الوعي المجتمعي، وتراجع الوصمة المرتبطة بالاضطراب، وانتشار التشخيص الذاتي عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ميل متزايد لتفسير الصعوبات اليومية من خلال تسميات طبية.

وأوضحت أن الأبحاث الحديثة تكشف وجود اختلافات واضحة بين الأطفال الذين يشخصون في سنواتهم الأولى، والأشخاص الذين يحصلون على التشخيص في مرحلة المراهقة أو البلوغ، مشيرة إلى أن الفئة الأولى غالبا ما تظهر لديها مؤشرات واضحة منذ الطفولة، ترافقها في كثير من الأحيان صعوبات في النمو اللغوي أو القدرات المعرفية، بينما يكون المشخصون في مراحل لاحقة من ذوي الذكاء المتوسط أو المرتفع، وغالبا ما تتزامن لديهم الحالة مع اضطرابات مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.

وأضافت أن بعض الدراسات الجينية الأولية تشير إلى وجود اختلافات في الخصائص الوراثية بين المجموعتين، ما يثير احتمال ألا تكونا تعبران عن الاضطراب نفسه بدرجات متفاوتة، وإنما عن حالات بيولوجية مختلفة.

ولفتت فريث إلى أن غياب اختبار بيولوجي أو فحص مخبري للتوحد يجعل التشخيص يعتمد أساسا على التقييم السريري وما يقدمه الشخص من معلومات عن حالته، معتبرة أن اتساع استخدام مفاهيم مثل “الإخفاء” أو “التمويه الاجتماعي”، أي قدرة بعض الأشخاص على إخفاء صعوباتهم الاجتماعية، ساهم بدوره في جعل الحدود الفاصلة بين الحالات أقل وضوحا.

وأكدت الباحثة أن التشخيص لا يحدد فقط نوع العلاج، بل يؤثر أيضا في هوية الشخص والدعم الذي يحصل عليه، محذرة من أن التشخيص غير الدقيق قد يقود إلى تدخلات علاجية غير مناسبة، أو إلى حرمان بعض الأشخاص من المساعدة التي يحتاجون إليها.

كما أشارت إلى أن مفهوم التوحد تجاوز الإطار الطبي ليصبح جزءا من الثقافة الشعبية، مدفوعا بمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي والأفلام والمجتمعات الرقمية، وهو ما ساهم في نشر الوعي، لكنه أدى أيضا إلى انتشار تصورات مبسطة أو غير دقيقة حول الاضطراب، في وقت عززت فيه حركة التنوع العصبي النظر إلى التوحد بوصفه اختلافا في طريقة عمل الدماغ أكثر منه اضطرابا مرضيا.

ورغم إقرارها بأهمية هذا التوجه في الحد من الوصمة الاجتماعية، رأت فريث أن التعامل مع التوحد باعتباره مجرد اختلاف بشري يطرح تساؤلات حول جدوى التشخيص الطبي إذا فقد معناه السريري الأصلي.

ودعت عالمة الأعصاب إلى مراجعة شاملة للإرشادات الطبية الخاصة بالتشخيص، والانتقال من مفهوم “الطيف” الواسع إلى تقسيمات أكثر تحديدا، بما يسمح بتوجيه الموارد والخدمات إلى الأشخاص الأكثر حاجة إليها، وضمان حصول كل حالة على الرعاية التي تتناسب مع طبيعتها.

واختتمت الباحثة مقالها بالتأكيد على أن الوقت قد حان لإعادة النظر في مدى اتساع مفهوم طيف التوحد، محذرة من أن استمرار الغموض في معايير التشخيص قد يؤدي إلى سوء فهم احتياجات المرضى، وإلى توجيه الرعاية الصحية في مسارات غير مناسبة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق