وجهة نظر: أزمة الين الياباني... هل أصبحت تهديداً للاستقرار المالي العالمي؟ - بوابة المدينة برس

الجريدة الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم وجهة نظر: أزمة الين الياباني... هل أصبحت تهديداً للاستقرار المالي العالمي؟ - بوابة المدينة برس

في عالم الاقتصاد، ليست كل أزمات العملات متساوية في الأهمية. فهبوط عملة دولة صغيرة قد يمر دون أن يلفت انتباه الأسواق، أما عندما يتعلق الأمر بالين الياباني، فإن الصورة تختلف تماماً. فاليابان ليست مجرد ثالث أكبر اقتصاد في العالم، إذ يناهز حجم اقتصادها 4 تريليونات دولار، بل هي أيضاً أكبر دولة دائنة على المستوى الدولي، حيث تتجاوز أصولها الخارجية  3.5 تريليونات دولار. ولذلك، فإن أي اضطراب في عملتها لا يبقى شأناً محلياً، بل يتحول إلى قضية عالمية بكل المقاييس.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تراجع الين إلى أدنى مستوياته منذ ما يقارب أربعة عقود، متجاوزاً حاجز 160 يناً مقابل الدولار، بعدما فقد ما يقارب 40% من قيمته مقارنة بمستوياته قبل أربع سنوات. وقد دفع ذلك السلطات اليابانية إلى التدخل مراراً في سوق الصرف، قبل أن تشهد الأسواق خطوة غير مألوفة تمثلت في تدخل مشترك بين اليابان والولايات المتحدة لدعم العملة اليابانية، في أول تعاون من هذا النوع منذ أكثر من عقد.

لكن السؤال الذي يشغل المستثمرين ليس ما إذا كان التدخل قد نجح في رفع قيمة الين، بل ما إذا كان قادراً على إنهاء الأزمة من جذورها.

فالواقع أن ضعف الين ليس نتيجة مضاربات عابرة، بل يعكس تحديات اقتصادية أعمق. فالفجوة الواسعة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة دفعت رؤوس الأموال إلى التوجه نحو الدولار بحثاً عن عوائد أعلى، في حين يواصل الدين العام الياباني تسجيل مستويات قياسية تبلغ نحو 260% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأعلى بين الاقتصادات الصناعية الكبرى. ويضاف إلى ذلك ارتفاع فاتورة الطاقة والضغوط التي تواجه المالية العامة، وهي عوامل تجعل استعادة قوة الين مهمة أكثر تعقيداً.

لماذا ينبغي للأسواق المالية أن تقلق؟

لأن اليابان تمثل ركناً أساسياً في النظام المالي العالمي.

فهي أكبر مالك أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بحيازات تتجاوز  1.1 تريليون دولار، أي ما يقارب  13% من إجمالي الحيازات الأجنبية لهذه السندات. كما أن مؤسساتها المالية وصناديقها الاستثمارية تستثمر مئات المليارات من الدولارات في مختلف الأسواق الدولية. وإذا اضطرت الحكومة اليابانية إلى بيع جزء من هذه الأصول للدفاع عن عملتها، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع عوائد السندات العالمية، وزيادة تكلفة الاقتراض، وتشديد الأوضاع المالية في العديد من الاقتصادات.

ولا يقتصر الخطر على أسواق السندات. فهناك أيضاً ما يعرف باستراتيجية «الكاري تريد»، حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض الفائدة ثم يوجهون الأموال إلى استثمارات تحقق عوائد أعلى في أسواق أخرى. وتُقدِّر مؤسسات مالية عالمية أن حجم هذه العمليات يتجاوز تريليون دولار، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع مفاجئ في الين قادراً على إطلاق موجات بيع واسعة في أسواق الأسهم والسندات حول العالم. وإذا ارتفع الين بصورة حادة، فقد يندفع المستثمرون إلى تصفية مراكزهم بسرعة، وهو ما قد ينعكس في صورة تقلبات كبيرة في الأسواق المالية العالمية.

ومن زاوية أخرى، فإن ارتفاع العائد على السندات اليابانية قد يشجع المستثمرين اليابانيين على إعادة جزء من أموالهم إلى الداخل، وهو ما قد يقلص تدفقات الاستثمار نحو الأسواق العالمية ويضغط على أسعار السندات ويرفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لدول الخليج، وفي مقدمتها الكويت، فإن هذه التطورات ليست بعيدة عنها. فالصناديق السيادية الخليجية تدير أصولاً تتجاوز  4 تريليونات دولار، ويُستثمر جانب مهم منها في الأسواق العالمية. ومن ثم، فإن أي اضطراب في أسواق السندات أو الأسهم العالمية قد ينعكس على أداء المحافظ الاستثمارية، وتكلفة التمويل، واتجاهات تدفقات رؤوس الأموال في المنطقة.

هل يكفي التدخل الأميركي – الياباني لإنهاء الأزمة؟

الإجابة، على الأرجح، هي لا.

فالتدخل في سوق العملات قد ينجح في تهدئة المضاربات وإبطاء وتيرة التراجع، لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير العوامل الاقتصادية التي دفعت الين إلى هذا المستوى. وتشير التجارب السابقة إلى أن تدخلات البنوك المركزية تحقق في العادة استقراراً مؤقتاً، لكن أثرها يتراجع إذا لم ترافقها إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعالج جذور المشكلة.

ولذلك، فإن نجاح أي خطة لإنقاذ الين يتطلب تعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين أوضاع المالية العامة، واستعادة الثقة في الاقتصاد الياباني، إلى جانب تقليص الفجوة في أسعار الفائدة مع الاقتصادات الكبرى.

ماذا يمكن أن نتوقع؟

من المرجح أن يبقى الين تحت المراقبة اللصيقة خلال الأشهر المقبلة، وأن تستمر الأسواق في التفاعل مع كل قرار يصدر عن بنك اليابان أو مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي. كما لا يمكن استبعاد تدخلات جديدة إذا تعرضت العملة لموجات مضاربة حادة.

وترى العديد من بيوت الخبرة العالمية أن الين قد يتحرك خلال الفترة المقبلة ضمن نطاق يتراوح بين 150 و165 يناً مقابل الدولار، وهو ما يعني استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق المالية الدولية.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام لن يتحدد بالتدخلات وحدها، بل بقدرة الاقتصاد الياباني على استعادة توازنه المالي والنقدي. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الين أحد أهم المؤشرات التي تراقبها الأسواق العالمية.

لقد أثبتت هذه الأزمة مرة أخرى أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، وأن اهتزاز عملة رئيسية في دولة بحجم اليابان لم يعد شأناً محلياً، بل حدثاً قادراً على التأثير في أسواق المال، وأسعار الفائدة، وتدفقات الاستثمار في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك منطقتنا الخليجية.

*كاتب واقتصادي عربي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق