غيّرْ نفسَكَ قبل أن تُغيّرَ بَلدَك - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم غيّرْ نفسَكَ قبل أن تُغيّرَ بَلدَك - بوابة المدينة برس

كان الشابّ في زمن قريب يسأل نفسه: ماذا أتعلم؟ أي مهنة أتقن؟ أي شهادة أحصل عليها؟ كيف أبني مستقبلي؟ أما اليوم، فقد صار بعض الشباب يختصرون كل هذه الأسئلة في سؤال واحد: متى أهاجر؟ تحولت الهجرة عندهم من وسيلة إلى غاية، ومن خيار يحتاج إلى تخطيط إلى عقيدة لا تقبل النقاش. صار الشاب يتعامل مع جواز السفر كأنه شهادة كفاءة، ومع تأشيرة الدخول كأنها عقد نجاح، ومع عبور البحر كأنه عبور تلقائي من الفشل إلى المجد.

يترك مقعد الدراسة لأنه لا يحتمل صبر السنوات، ثم يقضي سنوات أطول أمام أبواب القنصليات. يرفضُ أن يتعلَّم مهنة في ستة أشهر، ثم يقبل أن ينتظر فرصة مجهولة ستّ سنوات. يصفُ التكوين بالملَل، ويرى الانتظار أمام المقاهي نوعًا من النّضال. يسخرُ من صاحب الحِرفة، ثم يحلمُ بأن يعمل مساعدًا له في بلدٍ آخر. ينظر إلى الحَدَّاد في وطنه باسْتخفاف، ثم ينبهر بعامِل المعادن في أوروبا. يستهزئ بالنَّجار في حيِّه، ثم يصف النِّجارة في الغُربة بأنها مهنة مُحترمة. يرفض تنظيف محَلٍّ في مدينته، ثم يحتفلُ بتنظيفِ مَطعم في مدينة أجْنبية. لا يكرهُ العمل نفسه، وإنما يكره صورته حين يرتبط بوطنه. يعتقد أن الجُغرافيا تغسلُ المهن مِن العَار، وأن الحدُود تمنحُ الأعمال البسيطة شَهادة شرَفٍ.

هنا تبدأ السُّخرية الحَقيقية. يرفضُ الشَّاب أن يحملَ صندوق أدوات في بلده، ثم يحمل صناديق السلع في مخزن أوروبي طوال اللَّيل. يخجل من ارتداء لباس مهني أمام أبناء الحي، ثم ينشرُ صورَته بالزيِّ نفسه في الغربة ويكتب تحتها: الحمد لله، بدأتُ حياتي. أيّ حياة هذه التي تبدأ عندما تتغيّر الخلفية خلف الصورة؟ المشكلة لا تكمن في الهجرة؛ فقد حملت الهجرة عبر التاريخ علماء وتجارًا ومبدعين وأصحاب مشاريع. انتقل الإنسان من مكان إلى آخر بحثًا عن المعرفة والرزق والتجربة. المشكلة تظهر حين يهاجر الإنسان فارغ اليدين، ضعيف المهارات، غامض الهدف، ثم ينتظر من البلد الجديد أن يصنع له عقلًا، ومهنة، وهوية، ومستقبلًا.

قد تعبر الحدود وتبقى مكانك

المكان لا يصنعُ الإنسان من العدَم. المكانُ يفتح أبوابًا، والإنسانُ يحتاج إلى قدرة كي يعبرها. لا يسأل السّوق المهاجر عن حجم أحلامه، وإنما يسأله عمّا يتقنه. صاحب العمل لا يهتم بعدد المرات التي شتم فيها الشاب أوضاع وطنه، وإنما يهتم بقدرته على الإنتاج. يصل بعض الشباب إلى الغربة حاملين حقائب صغيرة وأوهامًا ضخمة. يتوقع الواحد منهم أن تستقبله المدينة الجديدة بالموسيقى، وأن تفتح له المؤسسات أبوابها، وأن يكتشف الجميع عبقريته التي لم يكتشفها أحد في وطنه. ثم يصطدم بحقيقة باردة: المدينة لا تعرف اسمه، والشركات لا تنتظر وصوله، والمجتمع لا يمنحه مكانًا لمجرد أنه خاطر بحياته. يكتشف أن الغربة لا تعمل مثل آلة سحرية. يجد نفسه أمام لغة لا يُتقنها، وقوانين لا يفهمها، وسوق عمل لا يرحم، وإيجار يلتهمُ راتبه، ووحدة تلتهم روحه. عندها يبدأ في قبول الأعمال التي رفضها في وطنه، ويقبل الأجور التي لا تكفيه، ويسكت عن الإهانات التي كان يثور ضد نصفها داخل بيته. ثم يلتقط صورة أمام مَعْلَمٍ مشهور.

تظهر الصورة جميلة: ابتسامة واسعة، شارع نظيف، ملابس أنيقة، وكلمات عن النجاح. لا تظهر الغرفة الضيقة التي يسكنها مع أربعة أشخاص. لا يظهر صاحب العمل الذي يؤخِّر أجره. لا تظهر الساعات الطويلة في وسائل النقل. لا تظهر اليدُ المتشققة من البرد. لا تظهر المكالمات الصامتة مع الأمّ حين يخفي عنها تعبه. وسائل التواصل لا تنقل الحياة؛ إنها تنتقي لحظة صالحة للعرض. يشاهد الشاب في وطنه الصورة، فيزداد اقتناعًا بأن البحر يفصل بين الجحيم والفردوس. لا يعرف أن صاحب الصورة نفسه قد ينظر إلى ماضيه ويتمنى لو تعلم مهنة قبل أن يرحل. لقد صار الهاتف أكبر مهندس للأوهام. يمنح الشاب جولة يومية في حياة الآخرين، ثم يجعله يحتقر حياته. يرى سيارة مهاجر ولا يرى قَرْضها. يرى الملابس ولا يرى الديون. يرى السفر ولا يرى الخوف من الشرطة أو الأوراق أو فقدان العمل. يعيش بعض الشباب داخل مقارنة ظالمة: يقارنون أسوأ تفاصيل حياتهم بأفضل لحظات حياة غيرهم. ثم يصدرون حكمًا نهائيًا على الوطن وعلى المستقبل وعلى أنفسهم. يقول الشاب إن البلد لم يمنحه فرصة، وقد يكون كلامه صحيحًا جزئيًا. قد يعاني المجتمع من البطالة والفساد وضعف التكوين وغياب العدالة. لا يستطيع العقل الجادُّ أن ينكر هذه الأزمات. مع ذلك، لا تمنحُ هذه الأزمات الإنسان رخصة كي يتخلى عن بناء ذاته.

الهجرةُ لا تصنعُ من لا يَصنعُ نفسهُ

يمكن للإنسان أن ينتقد المجتمع، وأن يطالب بالتغيير، وأن يبحث عن الهجرة في الوقت نفسه. يحتاج فقط إلى مشروع واضح. أما أن يحوّل الهجرة إلى عذر يعلّق عليه فشله، فهنا يختار الوهم على حساب الحقيقة. يقول بعضهم: لا فائدة من الدراسة. ثم يقضي ساعات في تعلّم طرق عبور الحدود خلسة. يعرف أسماء المدن الساحلية، وأسعار المهربين، ومواعيد القوارب، ومسالك الغابات، ولا يعرف كيف يكتب سيرة ذاتية محترمة. يحفظ تجارب الهجرة السرية، ولا يحفظ أساسيات مهنة واحدة. هذا الشاب لا يُعاني من غياب الذكاء؛ إنه يوجه ذكاءه نحو الباب الخطأ. لو وضع نصف الجهد الذي يضعه في مطاردة الهجرة داخل تعلم اللغة أو الكهرباء أو البرمجة أو صيانة السيارات أو النجارة أو التمريض، لتغيّرت قيمتُه في السّوق. لو صرف نصف المال الذي يجمعه للمهرب على تكوين مهني، لصنع لنفسه فرصة أكثر أمانًا؛ لو احتمل تعب الدراسة كما يحتمل ذل الانتظار، لوصل إلى مكان أفضل بكرامة أكبر. لكن الوهم يقدم نفسه دائمًا في صورة طريق مختصر. الإنسان بطبيعته يحب الطريق القصير، خاصة حين يرهقه الواقع.

غير أن الطّرق المختصرة لا تؤدي دائمًا إلى المستقبل؛ بعضها يختصر المسافة نحو الهاوية. القاربُ لا يسألُ الشَّاب عن أحلامه. البحر لا يفرق بين طموح ومتهوّر. الموج لا يمنح فرصة ثانية لمن أخطأ الحساب. ومع ذلك، يصف بعض الشباب هذه المغامرة بالشجاعة. الشجاعة لا تعني أن يقامر الإنسان بحياته دون خطة. الشجاعة تعني أن يواجه ضعفه، وأن يعترف بنقصه، وأن يبدأ من الصفر، وأن يصبر على التعلم، وأن يقبل العمل الصغير حتى يصل إلى العمل الكبير. الشجاعة تحتاج إلى عقل يحسب النتائج، لا إلى حماس يصفق للمجهول.

أصبحنا نرى شابًا يخاف من امتحان مهني، ولا يخاف من البحر. يخشى مقابلة عمل، ولا يخشى المهرب. يتردد أمام التسجيل في مركز تكوين، ثم يضع حياته كاملة في يد شخص لا يعرف اسمه الحقيقي. يرفض سلطة الأستاذ، ثم يقبل أوامر عصابة. يهرب من ضغط الأسرة، ثم يدخل عالمًا يفرض عليه أقسى أنواع الخضوع. أي مفارقة أعمق من هذه؟ يبحث عن الحرية، فيبدأ طريقه بتسليم قراره للمُهَرِّب. يبحث عن الكرامة، فيدخل من باب الإهانة. يبحث عن الأمن، فيختار طريق الخطر. يبحث عن مستقبل واضح، فيمشي نحو ضباب لا يعرف ما وراءه. لا يحمل هذا المسار اسم الهجرة فقط؛ إنه هجرة من المنطق إلى الوهم، ومن المسؤولية إلى الصّدفة، ومن بناء الذات إلى انتظار المعجزة.

الشاب الذي يتعلم مهنة يغيّر موقعه في العالم. لا يبقى طالب فرصة، وإنما يصبح صاحب قيمة. الكهربائي الماهر يحتاجه الناس في كل مدينة. الميكانيكي المحترف يجد عملًا حيث توجد السيارات. الممرض يجد مكانه حيث يوجد المرضى. المبرمج يخاطب سوقًا تتجاوز حدود بلده. الحرفي المتميز يستطيع أن يفتح مشروعًا، وأن يدرّب غيره، وأن يصنع اسمًا. أما الإنسان الذي لا يتقن شيئًا، فسيظل تحت رحمة الآخرين، سواء عاش في وطنه أو غادره. سيحدد صاحب العمل أجره، وسيحدد السّمسار سكنه، وسيحدد القانون حركته، وستحدد الصدفة مستقبله. المهارة تمنح الإنسان جزءًا من حريته. المعرفة تمنحه قدرة على الاختيار. الشهادة وحدها لا تكفي، والحرفة وحدها لا تكفي دائمًا، والجمع بين العلم والمهارة يصنع قوة حقيقية.

البحرُ لا يبني مُستقبلًا

المجتمعُ الذي يحتقر الحرف يربي شبابًا يهربون من العمل. حين يربط الناس النجاح بالمكتب والبدلة، يدفعون أبناءهم إلى بطالة أنيقة. المشكلة الثقافية تبدأ من نظرة الناس إلى المهن. نحتفل بالشهادة حتى عندما لا تمنحُ صاحبها قُدرة، ونحتقرُ الحِرفة حتى عندما تمنح صاحبها استقلالًا. نعلّقُ صور الخرّيجين على الجدران، ولا نتحدَّث عن الشَّباب الذين بنوا مشاريعهم بأيديهم. من يريد أن يهاجر يحتاج إلى لغة، ومهارة، ومُدّخرات، ومعرفة بالقانون، وخطة للسَّكن والعمل، وقُدرة نفسية على تحمُّل الوحدة. الهجرة النّاجحة لا تبدأ عند المطار؛ تبدأ قبل ذلك بسنوات من بناء الذّات. من يهاجِر بمشرُوع يملك فرصة للتَّقدم. من يهاجرُ هربًا من نفسه سيجدُ نفسه أمامه في كلّ مكان. الهجرة المحترمة لا تبدأ بكراهية الوطن. أما هجرة الهوان، فتبدأ بجُملة شائِعة: عندما أصل، سأرى ماذا أفعل، ومن لا يعرف ماذا سيفعل قبل الوصول، سيضعه الآخرون حيثُ يريدون، ويسكن حيث يسمحون، ويتحرك وفق شروطهم. لا يصنعُ مُستقبله، ينتظر ما يتبقّى من فُرص الآخرين.

الهجرةُ بعَقْلٍ لا بحُلم أعْمَى

الفلسفة الحقيقية للحياة لا تقومُ على المكان الذي نقِف فيه، وإنما على المعنى الذي نصنعه هناك. قد يعيش الإنسان في قرية صغيرة ويحمل مشروعًا كبيرًا. قد يسكن في عاصمة عالمية ويعيش على هامشها. المسافة بين الإنسان والنجاح لا تقاس بالكيلومترات، وإنما تقاس بمقدار ما يعرف، وما يتقن، وما يتحمل، وما يضيفه. لا تمنح المدينة الحديثة عقلًا حديثًا لمن يرفض التفكير. لا تمنح الدولة الغنية قيمة لمن لا ينتج. لا تمنح الشوارع النظيفة كرامة لمن قبل أن يهين نفسه من أجل صورة. الكرامةُ لا تسقط من السّماء، ولا تختمها القنصلية على جواز السفر. الكرامة تبدأ حين يمسك الإنسان زمام حياته. يحتاج شباب اليوم إلى ثورة هادئة على الوهم. ثورة لا ترفع الشّعارات، وإنما ترفع مستوى المهارات. ثورة تجعل مركز التكوين أكثر جاذبية من مقهى الانتظار.

ثورةٌ تعيد للحرفة مكانتها، وللدراسة معناها، وللعمل قيمته، وللهجرة عقلها. لا نحتاجُ إلى شباب يخافون من السّفر، فالعالم واسع، والتجربة حق، والطموح مشروع. نحتاج إلى شباب يسافرون واقفين لا زاحفين، يسافرون وهم يحملون معرفة لا وهمًا، ومشروعًا لا صُدفة، وكرامة لا استعطافًا. قد يغير الإنسان بلده، لكن التغيير الأهم يحدث حين يغير نفسه. وقد يعبر البحر، لكن العبور الأعمق يحدث حين ينتقل من الجهل إلى المعرفة، ومن التردد إلى العمل، ومن الاتكال إلى المسؤولية.

من يتعلم مهنة لا ينتظر أن ينقذه أحد. من يتمّ مساره الدراسي لا يضمن النجاح، لكنه يمنح نفسه أدوات المواجهة. من يجمع الخبرة والانضباط والوعي لا يخاف من الحدود، لأنه لا يذهب طالبًا للشفقة، وإنما يذهب حاملًا قيمةً. أما من يتركُ كلَّ شيء خلفه، ولا يحمل معه إلا الحلم، فقد يكتشف متأخرًا أن الأحلام تحتاج إلى أقدام مدربة، وعقل واعٍ، ويد تعرف كيف تعمل. هجرة الهوان لا تبدأ عند ركوب القارب. تبدأ يوم يحتقر الشاب المدرسة، ويسخر من الحرفة، ويؤجل العمل، وينتظر أن تصنع له أرض أخرى ما رفض أن يصنعه لنفسه. وتنتهي حين يفهم، بعد فوات سنوات كثيرة، أن الوطن لم يكن العقبة الوحيدة، وأن البحر لم يكن الجسر السحري، وأن الضباب الذي طارده في الخارج بدأ أولًا داخل رأسه.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق