أزمة سبتة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أزمة سبتة - بوابة المدينة برس

جيوبوليتيك التضليل الإعلامي، العوامل المساعدة وتحديات المستقبل

في مشهد يحاكي فيلم “المسيرة ‘The march للمخرج دفيد ويطلي، هرع عشرات الآلاف من الناس ومن مختلف الجنسيات إلى سبتة، أطفالا وفتيات، شبابا وشيبا، رجالا ونساء. في يوم واحد، تغير الوضع الديموغرافي رأسا على عقب في هذا الجيب المحتل، مات العشرات من الناس وظلت العديد من الأسئلة بدون جواب.

منذ الوهلة الأولى، دون استقصاء الأخبار، دون جمع المعطيات، مطابقتها وغربلة الغث منها من السمين، دون دلائل مادية دامغة، حدث شبه إجماع في الجارة الإسبانية على توجيه أصبع الاتهام إلى المغرب. ليس هذا هو اليوم الأول ولا الأخير، إسقاط الماضي على الحاضر ما زال ينوخ بكلكله عند أي مطب بين الجارتين، والزوبعة العاطفية التي خلقتها هذه الأزمة تحتاج بسرعة لكبش فداء لتقديمه كقربان للرأي العام الوطني والدولي، ولو أن التعقيد الذي يكتنف هذا الموضوع يحتاج إلى حد أدنى من الحصافة والرصانة بدل الانسياق وراء سرديات لا تستند إل أي دليل ضد المغرب. لعمري أن هذا ما يفرق بين البروباغاندا والإعلام.
السردية الأولى أطلقتها الصحيفة الإسبانية ذي أوبجيكتيف The Objective حملت فيها مسؤولية ما جرى للمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة بذريعة إضعاف حكومة أخنوش، إظهار السيطرة على مفاصل الدولة، وتقوية حزب الأصالة والمعاصرة قبل الانتخابات التشريعية القادمة. الدليل حسب الجريدة: “مصادر مغربية في فرنسا مطلعة على هياكل السلطة في المغرب”، من هي الله أعلم وكيف تم ذلك، لا جواب.

السردية الثانية جاءت مختلفة تماما عن الأولى، هذه المرة على لسان جريدة إيل باييسEl País، حيث نقلت عن المخابرات الإسبانية ما مفادُه أن التدفق الجماعي لم يكن مخططا له من طرف السلطات المغربية، بل هو نتيجة عملية تضليل إعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبأن السلطات المغربية أغمضت العين لتستفيد سياسيا من الصدى الدولي للأزمة. أين الحُجة على ذلك، من اتخذ قرار عدم منع التدفق؟ لا جواب أيضا، بل العكس هو ما حصل، لأن الأزمة أضرت بصورة المغرب.

هكذا، انتقلنا من سردية تحدد شخصا دون تقديم برهانا على أمره بذلك، إلى أخرى تضع الدولة في قلب الحدث دون كشف سلسلة القرار المتخَذ ومن يقف وراءه.

نحن أمام سرديتين واهيتين صنعتا الرأي في المجتمع الإسباني وأثَّثتا لحملات مُغرضة وجدت صداها في الوجدان الشعبي الرازح في السنتين أو الثلاث الأخيرة تحت خطاب اليمين المتطرف، ليبقى الأهم أن السلطات المغربية والإسبانية -العارفة بتعقيد الأمور-اتفقتا على أن وراء هذا النزوح حملة إعلامية تضليلية خطيرة عبر الشبكات الاجتماعية. نقطة إلى السطر إلى أن تتوفر الدلائل الدامغة.

أسبوعان بعد الحادث، مازال هناك سؤال حارق عالق: Cui bono كما قال سينيكا أو لِمن تخدم هذه الأزمة؟

تعالوا نفكر جميعا، مغاربة وإسبانا، بهدوء حتى نخرج من الشَّرَك الذي تم نصبُه لنا بإحكام.

مصالح خارجية وراء سردية الأزمة:

يبدو من العبث أن يبحث المغرب عن تلطيخ صورته الخارجية والمجازفة بعلاقاته المتميزة مع إسبانيا وشراكته المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي، والأدهى من ذلك يوم عيد العرش وعلى بضع أسابيع فقط من مواعيد حساسة بالنسبة لقضية الصحراء، وفي سياق دولي في صالحه.

الأجندة التي تنتظر المغرب في الأسابيع القادمة حول موضوع الصحراء هي كالتالي: اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك يوم 8 شتنبر، ثم النقاش العام بين 22 و 28 من نفس الشهر، ثم اجتماع اللجنة الرابعة بين 5 و 9 أكتوبر، انتهاء بالجلسة الخاصة بالمينورسو أواخر نفس الشهر.

من له المصلحة في خلق الصدمة الإعلامية التي أعقبت التدفق الجماعي إلى سبتة في آخر يوم من شهر يوليوز؟ من يهمه تعميم المَشاهد وبناء خطاب مُغرِض في شهر غشت لشحذ السخط على المغرب لإلغاء كل التقدمات والمكاسب التي حققها في الأمم المتحدة؟ أليس من الممكن أن تتراكب مصالح هذا الطرف مع مصالح أطراف أخرى تريد الإطاحة بالحكومة الإسبانية الحالية وإضعاف أوروبا عبر بوابة المغرب وعبر توظيف الهجرة كسلاح جيوسياسي بالغ الخطورة؟

بعض الخلافات المغربية-الإسبانية التي كانت عوامل مساعدة لحصول هذه الأزمة:

الأزمات عموما ليست غير متوقعة، بل هناك دائما مؤشرات يمكن التقاطها وتوظيفها للتسريع بحدوثها، ولعمري أن سوء التفاهم بين البلدين حول بعض النقط الهامة تم استخدامه كعامل أو عوامل مساعدة لنشوب هذا النزاع. من بين هذه الخلافات نذكر:

-قرار الغرفة الإدارية للمحكمة العليا الإسبانية الذي منع ترحيل كل من يصل إلى سبتة بحرا. على الرغم من تحذيرات المغرب من تداعيات هذا القرار، وعلى الرغم من أن قرار المحكمة أشار إلى إمكانية وضع حواجز مادية طافية لتجاوز هذا الإشكال، الحكومة الإسبانية لم تحرك ساكنا إلا بعد وقوع ما وقع.

-الحملة الأخيرة لتسوية وضعية حوالي المهاجرين غير القانونيين حيث تم تقديم حوالي مليون ومائتي ألف طلب عوض نصف مليون حالة كما كان منتظرا. نذكر أن المعارضة الإسبانية كما العديد من الأوساط داخل الاتحاد الأوروبي أكدت على أن هذه الحملة أعطت إشارة واضحة على أن كل من هاجر إلى إسبانيا بشكل غير قانوني تتم تسوية وضعيته عاجلا أم آجلا.

-مقترح القانون رقم 122/000072الذي تم نشره في الجريدة الرسمية للبرلمان والقاضي بمنح الجنسية الإسبانية لكل الصحراويين الذين ولدوا بهذه المنطقة قبل شهر شتنبر 1977 وكذا لأبنائهم. للإشارة، فقد تم تقديم هذا المقترح من طرف المجموع البرلمانية لحزب سومار SUMAR عبر الناشطة الصحراوية والبرلمانية تسلم سيدي حمودي والمعروفة كطيش سيدي Tesh Sidi ، والمزدادة بمخيمات تيندوف سنة 1994.

صحيح أن المقترح لا يضم أي اعتراف صريح بكيان سياسي مستقل في الصحراء ولا يناقش السيادة المغربية، بيد أن الإمعان في توصيف الصحراويين كشعب -على الرغم من اقتراح ممثلي الحزب الاشتراكي العمالي باستعمال تسمية الصحراويين فقط- يحيل إلى العودة إلى الذاكرة الاستعمارية وإلى الوضعية الخاصة ‘للمحظيين’ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين التي مهدت لدخول الاستعمار للمغرب. أيضا، وجب التذكير بأن هذا المقترح ما كان ليُعتمد داخل لجنة العدل لولا التغيير التاريخي المفاجئ في موقف الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وامتناع الحزب الشعبي عن التصويت، والتذكير كذلك بأن الحزب الوحيد الذي صوت ضده هو فوكس .VOX

-زيارة بيدرو سانشيث للجزائر في 20 يوليوز وكل ما صاحبها من إيحاءات حول إعادة العلاقات بين البلدين على حساب مصالح المغرب، والتي أعتبرها نقلة شطرنجية أو ردة فعل تجد مُبررها في عودة الدفئ والتقارب الكبير بين الرباط وباريس.

هذه الخلافات مجتمعة تم توظيفها بدهاء خبيث لتفعيل الأزمة وهي في نظري حمَّالة لتوترات قادمة بين المغرب وإسبانيا ما لم تتم إدارتها بهدوء وبما يناسب المصالح الاستراتيجية للبلدين.

الواضح أن أزمة سبتة تشبه الدمى الروسية، وأن مآرب أطراف خارجية التقت وتراكبت للإضرار بالمغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي:

-بالمغرب: لأنها أبانت عن فشل الحكومات المتعاقبة في زرع الأمل في نفوس الناس وتقوية ارتباطهم بالوطن وبالتالي سهولة التغرير بهم، بأن التقدم الحاصل على مستوى الماكرواقتصادي لا يوازيه تطور على مستوى التنمية البشرية -وهو ما أشار إليه عاهل البلاد في مناسبات مختلفة وبعبارات صريحة ومتعددة-. وراء هذا العي البنيوي يقف تعليم مزدوج، عمومي لخصوصي، ينتج اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية، واقتصاد مُركز في يد فئة قليلة جشعة لا تملك رؤية مواطِنة تساعد على امتصاص بطالة الشباب وإخراجهم من الهشاشة، وهذا ما ذهب إليه التقرير الأخير لوالي بنك المغرب الذي عرضه أمام جلالة الملك: 2,9ملايين من المواطنين بين 15 و 29 سنة أي 33,6% من هذه الشريحة الواسعة والمهمة جدا لا يدرسون، بدون تكوي مهني وعاطلون عن العمل. بالإضافة إلى ذلك، ثمة إشكالية نزيف هجرة الأدمغة حيث أن 700 مهندسا يغادرون المغرب كل سنة، ومثل هذا العدد من الأطباء ورُبع الممرضين أيضا وهو ما يعيق إنجاز المشاريع الكبرى للصحة وتعميم التغطية الصحية الإجبارية.

-بإسبانيا: حكومة، حيث وجدت هذه الأخيرة نفسها أمام أزمة معقدة أخرى وتحت سياط شركائها الأوروبيين وغرمائها السياسيين المحافظين والمتطرفين متهمين إياها بالفشل في تدبير موضوع له وقع خاص على المجتمعات الأوروبية مثل ملف الهجرة، ومجتمَعا، وهو يقف مشدوها أمام هشاشته بفعل الأزمات المتواترة والمتعاظمة في سبتة ومليلية.

-وبالاتحاد الأوروبي: حيث أعادت هذه الأزمة الانقسامات الإيديولوجية وفجرت وحدة الصف تجاه سياسة الهجرة. أن يكون التفاهم المباشر بين الرباط ومدريد هو الحل الوحيد الذي أعاد الأمور إلى نصابها يعني الوهن الكبير الذي تعاني منه السياسة الخارجية الأوروبية.

دروس وعِبر هذه الأزمة:

إن إدارة هجرة قوية ومتزامنة أمر معقد للغاية لأن استعمال القوة في مثل هذه الحالات له تبعات قانونية وإنسانية لا يمكن تحمل مسؤوليتها. لقد أظهرت هذه الأزمة أن الحوار بين الرباط ومدريد هو المورد الوحيد لإعادة الهدوء والاستقرار، كما كشفت بأن الحواجز المادية لا تُجدي أمام الفوارق الاجتماعية والاقتصادية العميقة.

الحدود بين المغرب وإسبانيا ليست فقط حدودا إدارية بل فالقا تكتونيا بين قارتين، بين فوارق جد شاسعة على مستوى الاقتصاد والديموغرافية والحكامة.

تجاوز هذا التحدي البنيوي يتطلب ترك التقاطب الإيديولوجي والتسرع في الأحكام، واستقرار المنطقة رهين بتحقيق ثلاثية أساسية: المسؤولية السياسية المقتسَمة، الأمن المشترك القائم على الاستباق، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تقوية النسيج الإنتاجي في الدول المصدرة للهجرة ودول العبور.

الاتحاد الأوروبي مطالب اليوم بتفعيل هذا الثالوث المهيكِل لدرء المخاطر الجيوسياسية التي تهدد مستقبله وتحويل المنطقة من حدود احتكاك وأزمات إلى منطقة ترابط إيجابي.

والدولة المغربية مطالبة بإحداث ثورة تحيي الأمل في النفوس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق