من العزفي إلى محمد السادس - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من العزفي إلى محمد السادس - بوابة المدينة برس

إمارة المؤمنين وحفظ الإرث الروحي بين الهوية والمعنى

ليس من قبيل المصادفة أن يلتقي في الذاكرة المغربية حدثان يفصل بينهما ما يقارب ثمانية قرون، لكنهما يلتقيان حول معنى واحد: كيف يحافظ الإنسان على هويته ومعناه حين يجد نفسه أمام عالم متغير وضاغط؟ الأول ارتبط بأبي العباس العزفي في سبتة في القرن السابع الهجري، والثاني برسالة جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، إلى المجلس العلمي الأعلى بمناسبة مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم. وبين الحدثين يمتد تاريخ طويل من العناية المغربية بالرسالة المحمدية، ومن توظيف الإرث الروحي في حماية الهوية وبناء الإنسان.

كانت سبتة في زمن العزفي مدينة مفتوحة على المتوسط، ومجالاً للاحتكاك المباشر بين المسلمين والمسيحيين. وفي هذا السياق دعا أبو العباس العزفي إلى الاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام ابنه أبو القاسم العزفي، الذي تولى حكم المدينة، بإضفاء طابع رسمي على الاحتفال. ولم تكن المبادرة مجرد إضافة مناسبة إلى التقويم الديني، بل جاءت في سياق اجتماعي وثقافي كانت فيه بعض مظاهر الاحتفال المسيحي، وخاصة أعياد الميلاد، حاضرة في المجال العام، بما قد يؤثر في المسلمين المقيمين في المدينة.

ومن هنا يمكن فهم المولد العزفي باعتباره فعلاً من أفعال حماية الذاكرة والهوية. فقد أدرك العزفي أن الهوية لا تحميها الحدود وحدها، وإنما تحميها أيضاً الرموز والمناسبات والطقوس والذاكرة المشتركة. وكان استحضار النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ومدائحه وسيلة لتقوية الانتماء الإسلامي، وإيجاد فضاء جماعي يحتفي بالذات الدينية دون أن يعني ذلك بالضرورة رفض الآخر أو إلغاء التعايش معه. كان السؤال في جوهره: كيف يعيش المسلم مع الآخر دون أن يفقد نفسه؟

أما بعد خمسة عشر قرناً من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد تغير العالم جذرياً، وتغيرت طبيعة التحدي. لم يعد الإنسان يعيش فقط أمام حدود حضارية واضحة، وإنما في عالم مفتوح تتدفق فيه الأفكار والصور والقيم عبر الإعلام والإنترنت والذكاء الاصطناعي. وأصبحت الأزمة أعمق من مجرد حماية الهوية؛ إنها أزمة معنى. فقد حقق العالم المادي إنجازات علمية وتكنولوجية واقتصادية هائلة، لكنه لم يستطع وحده أن يجيب عن الأسئلة الكبرى التي تلاحق الإنسان: لماذا أعيش؟ ما الغاية من وجودي؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؟

في هذا السياق تكتسب الرسالة الملكية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لقرن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة تتجاوز الاحتفال بالمناسبة. فهي تضع السيرة النبوية في صلب سؤال الإنسان المعاصر، وتدعو إلى جعل هذه الذكرى فرصة لاستحضار التوحيد والتزكية ومكارم الأخلاق، وإلى تقديم السيرة بأسلوب قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة.

وهنا يظهر الفرق بين المبادرتين، وفي الوقت نفسه عمق الصلة بينهما. فإذا كان العزفي قد واجه سؤال الهوية، فإن المبادرة الملكية تواجه سؤال المعنى. وإذا كان المولد في سبتة قد ساهم في تحصين المسلمين من الذوبان الثقافي، فإن استحضار المولد في القرن الخامس عشر الهجري يسعى إلى تحصين الإنسان من التيه الروحي والأخلاقي. لكن السؤالين متداخلان؛ فالإنسان الذي يفقد هويته معرض لأن يفقد جزءاً من معناه، والإنسان الذي يفقد المعنى يصبح أكثر قابلية للاستسلام لهويات بديلة أو لنزعة استهلاكية أو تطرف فكري أو مادي.

وما يجعل المقارنة أكثر أهمية هو حضور مؤسسة إمارة المؤمنين بين الحدثين. فالمبادرة العزفية نشأت في سبتة في سياق حكم إسلامي، ثم استمرت تقاليد المولد داخل المغرب وتطورت عبر القرون، إلى أن أصبحت جزءاً من الإرث الروحي والثقافي للمغاربة. أما في الدولة المغربية الحديثة، فقد ظلت إمارة المؤمنين حاملة لاستمرارية هذا الإرث، ليس باعتبارها مجرد مؤسسة سياسية، وإنما باعتبارها أيضاً إطاراً لحفظ الثوابت الدينية والروحية للمملكة: الإسلام السني، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، والارتباط بالقرآن والسنة ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا يمكن النظر إلى إمارة المؤمنين باعتبارها حلقة وصل بين المبادرتين: فهي تحفظ الذاكرة الدينية، وتضمن استمرارية المرجعية الروحية، وفي الوقت نفسه تمنحها القدرة على التجدد والاستجابة لتحولات العصر. فالمطلوب ليس أن يعيش المغاربة في الماضي، وإنما أن يحملوا إرثهم الروحي إلى المستقبل.

وهذه الاستمرارية تكشف خصوصية التجربة المغربية. فالهوية الدينية لم تُبنَ فقط عبر المؤسسات، وإنما أيضاً عبر الثقافة والطقوس والموسيقى والمديح والسماع والزوايا والعلم والتربية. وأصبح المولد النبوي جزءاً من هذه الذاكرة الروحية التي تجمع بين المحبة والتزكية والانتماء. ولذلك فإن إحياء الذكرى الخامسة عشرة لقرن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يُقرأ باعتباره امتداداً لتلك السلسلة التاريخية، لكن في أفق عالمي جديد.

لقد كان العزفي أمام عالم تتقدم فيه المسيحية سياسياً وثقافياً على حساب المجال الإسلامي، فاختار أن يقوي حضور النبي صلى الله عليه وسلم في الوجدان الجماعي. أما اليوم، فإن التحدي ليس ديناً آخر بالضرورة، وإنما عالم شديد المادية، سريع التحول، متعدد المرجعيات، يعيش فيه الإنسان وفرة في الوسائل ونقصاً في المعنى.

ولهذا فإن استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم اليوم لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الاحتفال، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشروع أخلاقي وتربوي: الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، والتضامن، والتحرر من الأنانية، واحترام الإنسان. فمحبة الرسول لا تكتمل بالمشاعر وحدها، وإنما تظهر في السلوك وفي بناء مجتمع أكثر إنسانية.

وهكذا يمكن اختصار المسافة بين أبي العباس العزفي ومحمد السادس في انتقال تاريخي من سؤال الهوية إلى سؤال المعنى، ومن حماية الذات من الذوبان إلى حماية الإنسان من التيه. وبين المبادرتين تقف إمارة المؤمنين باعتبارها مؤسسة للاستمرارية الروحية، تحفظ الإرث المغربي وتجدده، وتربط الماضي بالمستقبل.

ففي سبتة كان السؤال: من نحن؟ وفي عالم اليوم أصبح السؤال: إلى أين يسير الإنسان؟ وبين السؤالين يستمر المغرب في استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم لا باعتباره ذكرى من الماضي، وإنما باعتباره مصدراً متجدداً للهوية والرحمة والأخلاق والمعنى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق