عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قراءة نقدية لقانون المالية - بوابة المدينة برس
مشروع قانون المالية لسنة 2027: ثمانية مداخل لقراءة نقدية في التوجهات والرهانات الميزانياتية
يكتسي منشور رئيس الحكومة عدد رقم: 12/2026 بتاريخ 21 صفر 1448 الموافق ل 5 غشت 2026، بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، ليس فقط بالنظر إلى طبيعة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي تتضمنها، وإنما كذلك بالنظر إلى الظرفية الوطنية والدولية التي صدر فيها، وتزامنها مع نهاية الولاية الحكومية الحالية واقتراب الاستحقاقات التشريعية.
فالمنشور يؤطر إعداد ميزانية تندرج عمليًا ضمن مرحلة انتقال بين ولايتين حكوميتين، في وقت يواجه فيه المغرب تحديات متزامنة ترتبط باستكمال بناء الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتسريع الاستثمار في البنيات التحتية والماء والطاقة، والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، بالتوازي مع ضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية والتوازنات الماكرو-اقتصادية.
وعلى هذا الأساس، فإن القراءة المتأنية لهذا المنشور تستدعي الوقوف على استعراض ما يتضمنه من برامج وأولويات، ومقارنتها بمدى انسجام توجهاتها مع السياق الاقتصادي والسياسي، واحترامها لفلسفة القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، فضلًا عن البحث في مضامينه عن قدرة المالية العمومية على تمويل الالتزامات المقترحة وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
أولًا: مشروع قانون المالية لسنة 2027 على ضوء التحولات الوطنية والدولية
يأتي هذا المنشور التوجيهي للقطاعات الوزارية، في إطار إعدادها لمشروع ميزانياتها القطاعية، في ظرفية وطنية تتداخل فيها بعض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية مع استمرار مجموعة من الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتزايد تحديات الإجهاد المائي، فضلًا عن الحاجة المتنامية إلى تحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي الوقت ذاته، تعرف الالتزامات المالية للدولة توسعًا ملحوظًا بفعل تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، والدعم الاجتماعي المباشر، وبرامج السكن، إلى جانب الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالماء والطاقة والنقل والبنيات التحتية والاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية في أفق 2030.
أما على المستوى الدولي، فتأتي ميزانية 2027 في سياق يتسم بدرجة مرتفعة من عدم اليقين، بفعل التوترات الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية، والتحولات التي تعرفها التجارة العالمية، وتباطؤ بعض الاقتصادات الشريكة، فضلًا عن تصاعد المخاطر المناخية. ويفرض هذا السياق على السياسة الميزانياتية تجاوز منطق الاستجابة الظرفية للحاجيات نحو بناء قدرة مالية ومؤسساتية أكبر على استباق المخاطر وامتصاص الصدمات، بما يجعل المرونة والاستدامة من المحددات الأساسية للقرار الميزانياتي.
ثانيًا: التأطير القانوني والمؤسساتي لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027
يندرج إعداد مشروع قانون المالية في إطار المقتضيات الدستورية والقانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، الذي أحدث تحولًا نوعيًا في فلسفة التدبير الميزانياتي، من خلال الانتقال التدريجي من منطق يرتكز أساسًا على الوسائل والاعتمادات إلى مقاربة تقوم على البرامج والأهداف والنتائج ونجاعة الأداء، كما أرسى هذا القانون التنظيمي مبدأ البرمجة الميزانياتية متعددة السنوات وربط البرامج بأهداف ومؤشرات للأداء، بما يفترض أن تقوم عملية إعداد الميزانية على تحديد الأولويات والنتائج المنتظرة، وتقدير الحاجيات والكلفة المرتبطة بها، قبل إخضاعها للتحكيم في ضوء الموارد المتاحة ومتطلبات استدامة المالية العمومية.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى هذا المنشور باعتباره مجرد آلية لتأطير توزيع الموارد المالية بين القطاعات، وإنما باعتباره أداة لتحقيق الانسجام بين الاختيارات الحكومية، والبرمجة متعددة السنوات، وتخصيص الموارد، ونجاعة الأداء. وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الأساسية التي يثيرها المنشور لتأطير لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، والمتمثلة في طبيعة العلاقة بين تحديد الأولويات والحاجيات القطاعية من جهة، وتحديد الأسقف المالية للقطاعات الوزارية من جهة أخرى.
ثالثًا: التوجهات الإيجابية والرهانات الاستراتيجية لمشروع قانون المالية 2027
تتجلى إحدى أهم نقاط قوة التي تضمنها المنشور في وضوح بنيته الاستراتيجية، من خلال الجمع بين دعم الدينامية الاقتصادية، والتأهيل الترابي وتقليص الفوارق، وتوطيد ركائز الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، مع الحرص على الحفاظ على التوازنات المالية، كما يبرز حضور البعد الترابي بوضوح من خلال الاهتمام بالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية المرتبطة بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، ويعكس توجهًا نحو جعل المجال الترابي أحد المداخل الأساسية لتوجيه الاستثمار العمومي وتقليص التفاوتات.
ويؤكد هذا المنشور كذلك، على أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، وخاصة في قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، بما يعكس تصورًا للتنمية لا يختزلها في النمو الاقتصادي والاستثمار المادي، وإنما يربطها أيضًا بتحسين القدرات البشرية والعدالة الاجتماعية.
وعلى هذا الأساس، فإن من عناصر القوة التي تميز مضمون هذا المنشور أيضًا، استحضار القيود التي تواجه المالية العمومية، من خلال الدعوة إلى ترشيد نفقات التسيير، وضبط بعض النفقات الإدارية، وتحسين تنفيذ الاستثمار العمومي والحد من تراكم الاعتمادات غير المستعملة، غير أن القيمة الفعلية لهذه التوجيهات تظل مرتبطة بقدرة التدبير العمومي على الانتقال من مجرد التحكم الكمي في النفقات إلى تقييم نوعي لمردودية البرامج والسياسات العمومية ونتائجها.
رابعًا: الطموح البرامجي وإكراهات التمويل والتنفيذ
رغم شمولية الرؤية التي يقدمها المنشور، فإن كثافة الأولويات الواردة فيها تشكل في الوقت نفسه أحد أبرز التحديات التي تواجه تنفيذها، فقد شملت التوجهات قطاعات ومجالات متعددة، من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتشغيل، إلى الماء والطاقة والنقل والصناعة والفلاحة والسياحة والرقمنة والبنية التحتية والإصلاح الإداري والمؤسسات العمومية والتنمية الترابية، كما يطرح هذا الاتساع سؤالًا جوهريًا حول مفهوم الأولوية ذاته، فإذا كانت أغلب المجالات ذات طابع أولوي، فما الذي سيحدد فعليا ترتيب الأولويات عند التحكيم في موارد مالية محدودة؟
وفي هذا المجال، لم يحدد المنشور بشكل واضح الالتزامات غير القابلة للتأجيل، والأوراش الاستراتيجية الممتدة عبر الزمن، والاستثمارات ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة، والبرامج التي يمكن إعادة جدولتها أو إخضاعها للمراجعة، كما أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بالقدرة الفعلية على تنفيذها، ولذلك ينبغي ألا يقاس الاستثمار العمومي بحجم الموارد المخصصة له فقط، بل كذلك بمعدلات الإنجاز، واحترام الآجال والكلفة، وجودة المشاريع، وأثرها الاقتصادي والاجتماعي. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تعبئة مزيد من الاعتمادات بقدر ما يتمثل في تحسين القدرة على تحويل الاعتمادات إلى نتائج وأثر عمومي قابل للقياس.
خامسًا: ميزانية 2027 بين استمرارية الدولة وإكراهات الانتقال الحكومي
يكتسي هذا المنشور خصوصية سياسية ومؤسساتية بالنظر إلى استصداره في نهاية الولاية الحكومية الحالية واقتراب الاستحقاقات التشريعية، فمن الناحية القانونية، لا يعني اقتراب الانتخابات أن الحكومة أصبحت تلقائيًا حكومة لتصريف الأمور الجارية، إذ تظل متمتعة بصلاحياتها إلى حين انتهاء مهامها وفق المقتضيات الدستورية والقانونية، لذلك لا تثار المسألة أساسًا من زاوية المشروعية القانونية، بقدر ما تطرح من زاوية الملاءمة السياسية والمالية وطبيعة الالتزامات التي يمكن اتخاذها في نهاية هذه الولاية الحكومية.
وفي هذا المجال، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يكتسي، من هذه الزاوية، طابعًا انتقاليًا، حيث تُحدد توجهاته الأساسية في نهاية ولاية حكومية، بينما سيقع تنفيذ الجزء الأكبر من مقتضياته خلال ولاية حكومية جديدة. وفي هذا السياق، يثير توجه إعداد مشروع قانون مالية سنة 2027 نحو مواصلة أو فتح أوراش متعددة وتخصيص موارد مالية مهمة لعدد من القطاعات سؤالًا حول مدى ملاءمة إنشاء التزامات جديدة في مرحلة قد يكون من الأنسب أن تركز فيها الحكومة أيضًا على تصفية الالتزامات القائمة، وتسريع إنجاز المشاريع المفتوحة، وتقييم حصيلة البرامج قبل الانتقال إلى دورة جديدة من الالتزام المالي.
ويقتضي ذلك التمييز بين الالتزامات القانونية والتعاقدية القائمة، والأوراش الاستراتيجية للدولة التي تتجاوز بطبيعتها التعاقب الحكومي، والبرامج الجديدة ذات الطبيعة السياسية أو القطاعية التي قد يكون من الملائم الحفاظ بشأنها على هامش كاف للحكومة المقبلة لترجمة برنامجها واختياراتها الميزانياتية، ولا يعني ذلك تعطيل الاستثمار أو المساس بمبدأ استمرارية الدولة، وإنما يؤسس لما يمكن تسميته بالتحفظ المالي في نهاية الولاية الحكومية، بما يحقق التوازن بين استمرارية المرفق والسياسات الاستراتيجية، من جهة، واحترام هامش القرار السياسي والمالي للحكومة المقبلة، من جهة أخرى.
سادسًا: تحديد الأسقف المالية بين الانضباط الميزانياتي ومنطق نجاعة الأداء
تمثل مضامين المنشور تحديد أسقف مالية مسبقة للقطاعات الوزارية إحدى القضايا التي تستدعي قراءة متأنية في ضوء فلسفة القانون التنظيمي رقم 130.13، فمن حيث المبدأ، لا يتعارض تحديد سقف للإنفاق القطاعي مع متطلبات التدبير السليم للمالية العمومية، بل يندرج ضمن أدوات ضبط التوازنات الماكرو-مالية، بما يقتضيه ذلك من مراعاة حجم الموارد المتاحة، والحفاظ على استدامة التوازنات المالية، والتحكم في مستويات العجز والمديونية.
غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في مبدأ تحديد السقف في حد ذاته، وإنما في موقعه داخل مسلسل إعداد الميزانية، فالمقاربة القائمة على نجاعة الأداء تفترض، نظريًا وعمليًا، مسارًا متدرجًا ينطلق من تشخيص الحاجيات، ثم تحديد الأولويات، فتصميم البرامج وصياغة الأهداف والنتائج المنتظرة، يلي ذلك تقدير الكلفة، قبل الانتقال إلى مرحلة التحكيم في ضوء الإمكانيات المالية المتاحة.
وبصيغة أخرى، تمر عملية إعداد الميزانية عبر سلسلة مترابطة تبدأ بتحديد الحاجيات، ثم ترتيب الأولويات، يعقبها بناء البرامج والأهداف، وتحديد النتائج المنتظرة، ثم تقدير الكلفة، وصولًا إلى مرحلة التحكيم المالي. غير أنه عندما يتحول السقف المالي إلى نقطة انطلاق مسبقة، ويتم على أساسه لاحقًا تكييف البرامج وإعادة ضبط الحاجيات وتوزيع الاعتمادات، فإن ذلك قد يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج جزء من منطق ميزانية الوسائل، وهو المنطق الذي سعى الإصلاح الميزانياتي إلى تجاوزه لصالح ميزانية قائمة على النتائج.
وعليه، فإن الملاحظة النقدية لا تتجه إلى اعتبار تحديد الأسقف المالية ممارسة غير منسجمة مع القانون التنظيمي 13-130 لقانون المالية، بقدر ما تنبه إلى أن التحديد القبلي الصارم للموارد قد يحد من فعالية منطق نجاعة الأداء إذا ما سبق عملية تحديد الحاجيات والأهداف والنتائج المنتظرة. وبناءً عليه، ينبغي أن يُفهم السقف المالي باعتباره أداة للتحكيم وضبط الاستدامة المالية، لا كبديل عن المسار المنهجي لبناء الأولويات وتقدير الحاجيات وتقييمها.
سابعًا: الدولة الاجتماعية ورهان الاستدامة المالية
تشكل الدولة الاجتماعية أحد المرتكزات الأساسية لمنشور رئاسة الحكومة 2026-12، من خلال مواصلة توسيع الحماية الاجتماعية والاستثمار في الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، غير أن استدامة هذا الاختيار تطرح تحديًا ماليًا متزايدًا، إذ لا يمكن قياس نجاح الدولة الاجتماعية فقط بحجم الاعتمادات المخصصة أو بعدد المستفيدين، وإنما بقدرتها على الجمع بين عدالة الاستهداف وجودة الخدمات وفعالية الإنفاق واستدامة مصادر التمويل، كما أن الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تُفهم كبديل عن خلق فرص الشغل وتوسيع قاعدة الإنتاج والقيمة المضافة، بل ينبغي أن تتكامل مع سياسات التمكين الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعل العلاقة بين النمو والتشغيل والحماية الاجتماعية إحدى المعادلات الأساسية التي يتعين على السياسة الميزانياتية تحقيق التوازن بينها، بدل الاقتصار على قياس المجهود الاجتماعي بحجم الإنفاق العمومي.
ثامنًا: من ترشيد النفقات إلى تقييم فعالية الإنفاق العمومي
يدعو هذا المنشور إلى التحكم في مجموعة من نفقات التسيير، بما في ذلك بعض النفقات المرتبطة بالسيارات والبناء والتجهيز وغيرها، وهو توجه إيجابي من حيث الحرص على ترشيد استخدام الموارد، غير أن مفهوم الترشيد يظل محدود الأثر إذا اقتصر على تقليص بعض البنود دون مساءلة أوسع لمردودية البرامج العمومية، وأثرها على التنمية بكل تجلياتها على أرض الواقع، إذ تقتضي المرحلة المقبلة من إصلاح المالية العمومية تعزيز آليات المراجعة المنتظمة للإنفاق العمومي، بحيث تخضع البرامج القائمة لتقييم دوري يحدد مدى تحقيق أهدافها، وتناسب كلفتها مع نتائجها، ومدى وجود تداخل بينها وبين برامج أخرى، وجدوى استمرارها أو إعادة تصميمها أو حتى إنهائها، وبذلك، ينتقل مفهوم الترشيد من مراقبة مشروعية النفقة ومعدل استهلاك الاعتمادات إلى تقييم النتائج والقيمة العمومية التي تحققها النفقة.
وعلى هذا الأساس، فإن التدبير العمومي الحديث يستدعي الانتقال من مفهوم الترشيد ومراقبة مشروعية النفقة ومعدل استهلاك الاعتمادات إلى تقييم النتائج والقيمة العمومية التي تحققها الدولة في إطار ما يسمى بالأثر العمومي.
خاتمة
يمكن اعتبار منشور رئاسة الحكومة 2026-12 المتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 وثيقة طموحة من حيث شموليتها واتساقها العام مع الأوراش الاستراتيجية الوطنية، إذ تسعى إلى الجمع بين النمو والاستثمار، وتوطيد الدولة الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، ومواصلة الإصلاح المؤسساتي، والحفاظ على استدامة المالية العمومية.
غير أن هذا الطموح يواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها كثافة الأولويات مقارنة بمحدودية الموارد والقدرات التنفيذية، وخصوصية إعداد ميزانية ذات طبيعة انتقالية في نهاية ولاية حكومية، فضلًا عن ضرورة التوفيق بين تحديد الأسقف المالية والمحافظة على فلسفة الميزانية المرتكزة على النتائج التي أرسى أسسها القانون التنظيمي رقم 130.13.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي لمشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يكمن في فتح مزيد من الأوراش أو زيادة حجم الاعتمادات بقدر ما يتمثل في القدرة على ترتيب الأولويات، وقياس النتائج، وتحسين مردودية الإنفاق، وضمان استدامة تمويل الدولة الاجتماعية، وتحويل الاستثمار العمومي إلى رافعة للنمو وتحفيز الاستثمار الخاص، عبر هيكلته وتحقيق انسجامه مع توجه الدولة الاجتماعي، من حيث تعزيز الاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المجالية، وتعزيز قدرة المالية العمومية على مواجهة المخاطر الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية.
ومن منظور حكامة المالية العمومية، يعكس المنشور التأطيري لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 استمرار الانتقال بين نموذجين: نموذج ميزانياتي يركز على تمويل السياسات والمشاريع، ونموذج أكثر تقدمًا يقوم على تمويل النتائج وقياس الأثر، حيث يظل هذا الانتقال أحد الرهانات الأساسية للإصلاح الميزانياتي، لأن السؤال الجوهري لم يعد فقط: كم تنفق الدولة؟ وإنما أصبح بالأساس: ما النتائج والقيمة العمومية التي تحققها الدولة بكل درهم تنفقه؟
وعليه، فإن هذه القراءة تفضي إلى إشكالية مركزية تتجاوز مشروع قانون المالية لسنة 2027 ذاته: كيف يمكن التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد الشرعية الحكومية، وبين الانضباط المالي والاستجابة للحاجيات، وبين محدودية الموارد وطموح السياسات العمومية، في إطار ميزانية تقوم فعليًا على النجاعة والنتائج والأثر؟
إن الإجابة عن هذه الإشكالية هي التي تسمح بالانتقال من قراءة تقنية للرسالة التوجيهية، التي تحترم الإطار الزمني والجانب الشكلي المؤطرين لاستصدارها، إلى مساءلة أعمق لحكامة المالية العمومية، تقوم على التشبع بثقافة مالية قائمة على نجاعة الإنفاق، استدامة الالتزامات، وضوح المسؤولية وربط القرار المالي بالنتائج المحققة للمواطن والمجال والاقتصاد الوطني.








0 تعليق