التربية ورهانات المشروع الشخصي - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم التربية ورهانات المشروع الشخصي - بوابة المدينة برس

مقدمة

تتخذ التربية في راهنها المعاصر موقعاً مركزياً في صلب التنظير للفعل الإنساني، إذ تطرح أسئلة وجودية كبرى تتعلق بكيفية تشكل الذات الفردية والجماعية في سياق يتسم بالتعقيد والتداخل والتحولات المتسارعة. وإذ تغدو التربية فعلاً مركباً يتداخل فيه النفسي بالاجتماعي، والثقافي بالسياسي، والعلمي بالرقمي، فإنها تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بكيفية انتقال المشروع المجتمعي إلى مشروع شخصي للطفل، عبر وسائط متعددة تأتي الأسرة في مقدمتها، ثم المدرسة التي تسعى الدولة إلى هندستها كجهاز موازٍ، إن لم نقل معوّضاً، للأسرة في هذه المهمة المصيرية.

غاية هذا المقال أن يقدم تصوراً نظرياً لهذا الانتقال والتحول، متجاوزاً النماذج الخطية الضيقة إلى رؤية مركبة تستثمر منهج التعقيد كما صاغه إدغار موران، وتنفتح على مستويات متداخلة من التحليل، سائلاً عن كيفية تصور المدرسة للمشروع الشخصي للطفل في ضوء وظيفتها المزدوجة، وعن التزامات الدولة والمجتمع تجاه هذا المشروع بوصفه رهاناً للارتقاء المزدوج، الفردي والمجتمعي معاً.

أولا: التربية فعل مركب في الذات وفي الوعي وفي المعنى

التربية، من حيث هي مضمون نفسي وعاطفي واجتماعي وعقلي، فعل في الذات أو بها، نماء ذاتي عن طريق التعلم والتمهر، كما أنها تنمية ومساعدة على النماء والتجاوز عن طريق التعليم والتدريب، بغاية تحقيق النضج في اتجاه مزيد من النضج، والاكتمال، واستبطان المعايير والمقاييس الاجتماعية، وقواعد العيش المشترك، وما يتفرع عنها من معايير الانتماء والاندماج وتملك آليات الفعالية الاجتماعية سواء بقصد التكيف مع الواقع وشرطياته، أو بقصد الفعل فيه والسعي إلى تغييره. فالتربية تفاعل للذات بدافع داخلي مع الواقع، أو توجيه خارجي نحو غايات محددة، وهي بهذا المعنى عملية سياقية مقصودة تحدث في بيئة معرفية ونفسية واجتماعية وعاطفية حاضنة، تستند إلى خلفية ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية أيضاً.

وحين ننظر إلى التربية من زاوية منهج التعقيد الذي يرفض الاختزال والتبسيط المفرط، ندرك أنها ليست فعلاً خطياً يمكن ضبطه بمتغيرات محددة، وإنما هي منظومة حية تتفاعل داخلها عناصر متعددة في علاقات ارتدادية وحوارية، تنتج عنها خصائص كلية لا تختزل في مجموع أجزائها. فالتربية ليست مجرد نقل معرفي أو تنمية مهارية، وإنما هي بناء للكينونة، وتشكيل للوعي، وإنتاج للمعنى، تحرك في شبكة معقدة من العلاقات التي تفرزها منظومة العلق في مختلف أبعادها: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعلمية والرقمية، فضلاً عن مجالها الحاضن في بعده الجغرافي والتاريخي. وهذه المنظومة تعد الإطار العام الذي يتحرك فيه الفعل التربوي، فلا يمكن الحديث عن التربية كفعل مجرد، أو كسحابة غيث يمكن أن تقودها أيادي الرياح على أي أرض تستهدفها مصلحة الفرد، أو المجتمع، أو الدولة، أو أية جهة مهيمنة. إنها فعل مرتبط ببيئته، يتأثر به ويؤثر فيه، ومن ثم لا يمكن الحديث عن نموذج تربوي في غياب سياقه المكاني والزماني ومنظومة العلق التي تؤطره.

بطبيعة الحال، الأنظمة والمنظومات الحية، ومنها منظومة العلق، لا تخضع لمنطق السببية المباشرة، وإنما لمنطق الحلقات الارتدادية والعلاقات المتبادلة. والتربية كممارسة تتكثف في وظيفتها مختلف أفعال وتفاعلات مكونات منظومة العلق، فهي تمارس في الوعي لتزييفه، أو لتحريره، وفي المعنى المراد تحققه في الذات. وهذان البعدان يتفاعلان باستمرار بحيث لا يمكن الفصل بينهما. فالوعي يتشكل عبر المعاني التي يبنيها الفرد في تفاعله مع محيطه، والمعاني بدورها تتحدد بفعل أنماط الوعي السائدة في الجماعة. وهكذا تغدو التربية فعلاً مركباً يتجاوز الثنائيات المألوفة (نقل/إبداع، إملاء/تحرير، فردي/جماعي) ليصير حركة جدلية مستمرة بين الذات ومحيطها، بين الماضي والمستقبل، بين الواقع والممكن. وهكذا، أيضا، تتجاوز التربية، بهذا المعنى، القول بأن التربية هي فعل الراشد في الصغير كما ذهب إلى ذلك الفكر التربوي الكلاسيكي وخاصة مع إيميل دوركايم لتصير أوسع وأعمق. إنها فعل الإنسان في ذاته، وفعل الإنسان في الإنسان مهما كان سنه، ومن ثم يظل الفعل التربوي فعلا إنسانيا مرتبطا بالحياة وإكراهاتها وتحدياتها ورهاناتها، وليس فقط مرتبطا بفترة محددة من العمر الافتراضي.

ومن هنا نخلص إلى أن أهداف الفعل التربوي عموماً، من حيث هو مندرج ضمن دائرة الرعاية والتنشئة الاجتماعية، تكمن في النقل أو التعلم لاكتساب الفضائل والمحاسن والمنجحات وكيفية مزاولتها، والكيفية التي بها تتحقق في بعدها الفردي أو الجماعي، في ظل نموذج اجتماعي قائم. وفي مقابل ذلك، النقل أو التعلم لمعرفة الرذائل والمساوئ والمفشلات من أجل درئها والابتعاد عنها وتجاوزها ومقاومتها. وهكذا يصير الفعل التربوي فعلاً للتعليم والتعلم لاكتساب المعرفة والقيم ومهارات التطبيع الاجتماعي لتحقيق الاندماج الفعال والإيجابي، وفق معايير الفعل الاجتماعي وضوابطه، وقواعد التفاعل الاجتماعي ومتطلبات التأثير والتأثر؛ كما هو فعل ضمن الممارسات الاجتماعية التي يتحقق من خلالها نضج الذوات الفردية والجماعية، بما يتلاءم ومتطلبات الاستيعاب الحقيقي للمعاني التي يفرزها المجتمع ويستهدفها، والتكيف الفعال والمنتج مع الحياة ومطروحاتها من تحديات ورهانات على حد سواء.

ثانياً: المشروع المجتمعي والأسري والشخصي في نسق تحولي مركب

إذا أردنا تفهم آلية انتقال المشروع المجتمعي إلى المشروع الشخصي للطفل، فعلينا أن ندرك أولا أن هذا الانتقال ليس عملية خطية أو ميكانيكية، وإنما هو حركة جدلية معقدة تمر بوسائط متعددة، وتخضع لمنطق التحول والاستبطان وإعادة البناء، وفق ما يمليه منهج التعقيد الذي يرى في كل تحول نسقي عملية تنتج خصائص جديدة لا توجد في المستوى السابق. فالمشروع المجتمعي ليس معطى ثابتا جاهزا أو مجردا، وإنما هو نتاج معطى مجالي ونتاج التفاعلات المعقدة القائمة داخل منظومة العلق. ومن ثم فهو نتاج تفاوضات كبرى، مباشرة أو غير مباشرة، ومستمرة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين بنى المجتمع وكتله الاجتماعية من جهة ثانية. تنتج هيمنة واحتكار للسلطة كما يمكن أن تنتج توافقات أو تعاقدات في تدبير العلاقات بين الطرفين. وهذا المشروع المجتمعي، نفسه، يمثل الإطار العام الذي ينتظم فيه الفعل التربوي، ويستمد منه مشروعيته، ويتضمن الرؤية الكبرى للجماعة البشرية، من حيث هي مجموعة من المرجعيات الثقافية والقيمية، والنموذج التنموي المنشود، ومعايير العيش المشترك وقواعده، ونظام العلاقات الاجتماعية بأبعاده المختلفة. كما أن هذا المشروع المجتمعي ليس نسقاً متجانساً أو مغلقاً، وإنما هو حقل تنازع بين رؤى متعددة للمجتمع والتنمية والعلاقة بالفرد، وهو نتاج طبيعة التناقض القائم بين الكتل الاجتماعية ودرجته. كما يحمل في طياته تناقضات داخلية تجعله قابلاً للتأويلات المختلفة، وهذه التناقضات نفسها هي التي تمنحه حيويته وقدرته على التطور والتجدد. وعليه فإن المشروع المجتمعي كائن حي يتغذى على التفاعلات الداخلية فيما بين مكونات منظومة العلق، وتفاعلاتها الخارجية كذلك في محيطها الكوني.

وينتقل هذا المشروع المجتمعي، في مرحلته الأولى، إلى الأسرة التي تمثل الوحدة العضوية الأساسية في بنية المجتمع وتركيبته، حيث تقوم الأسرة بوظيفة الترجمة العملية للمشروع المجتمعي، إذ تحوله من كونه رؤى مجردة ومعايير عامة إلى ممارسات يومية وقيم معاشة، مع انتقاء وفلترة وفق موقعها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ووفق تصوراتها الخاصة عن الخير والصلاح والنجاح. وهذه المرحلة من التحول هي الأكثر حسماً، لأنها تخضع لمنطق الفرز والانتقاء الثقافي والترجمة العملية، حيث تترجم القيم المجردة إلى سلوكيات يومية، وتنتقي الرؤى الكبرى وفق ما هو ممكن ومرغوب في سياق الأسرة المخصوص. وتقوم الأسرة في هذه المرحلة بوظائف ثلاث متداخلة: وظيفة الرعاية التي تتحقق في مدة زمنية محدودة، وتتضمن الإطعام واللباس والسكن والحماية والأمن، فضلاً عن الحنو والحنان والعطف والشعور بالأمن النفسي والاجتماعي، والمساعدة على اكتساب المهارات الأولية لتلبية الحاجات البيولوجية وممارسة الوجود الاجتماعي. ووظيفة التنشئة التي تستمر مدة أطول لأنها ترتبط بالدرجات العليا من هرم الحاجات، من قبيل الحاجة إلى التقدير والحاجة إلى إثبات الذات، فضلاً عن تنمية جملة إرادات في الذات الإنسانية: إرادة المعرفة، وإرادة القوة، وإرادة العيش المشترك، وإرادة المعنى، وإرادة التعقيد، وإرادة التشبيك، وإرادة النمو. ووظيفة الاستثمار العائلي حيث تعتبر الأسرة الطفل مشروعاً استثمارياً ممتداً يجيب عن حاجات بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية أيضاً، كما كان الحال في الماضي وما يزال.

ثم ينتقل المشروع، في مرحلته الثالثة والأكثر دقة، من الصيغة الأسرية إلى الصيغة الشخصية للطفل، وهنا يحدث التحول النوعي الأعمق، حيث يتحول المشروع الأسري إلى مشروع خاص بالطفل، باعتباره فائض قيمة بيولوجية في أسرته، ومتعلم في مدرسته، وطالب في جامعته، وفاعل في مهنته، ومواطن في مجتمعه، بما يحقق له ذلك الارتقاء الفردي المنشود، ويحقق للمجتمع ارتقاءه وتقدمه وازدهاره. وهذه المرحلة ليست مجرد استمرار للمرحلة السابقة، وإنما هي قفزة نوعية يتحول فيها الطفل من متلقٍ للمعاني والقيم إلى باني نشط لمشروعه الخاص، ومن موضوع للتربية إلى فاعل في تشكيل ذاته ومستقبله. فالطفل ليس وعاءً فارغاً يُملأ، وإنما هو ذات نامية تمتلك قدرة متزايدة على التمييز والموازنة بين ما تقدمه له أسرته وبين ما تفرضه عليه مؤسسات التنشئة الأخرى كالمدرسة والإعلام والأقران والفضاءات الرقمية. وهذه القدرة على التمييز ليست معطى بيولوجياً، وإنما هي ثمرة تراكمية لتطور وظائفه المعرفية والعاطفية والاجتماعية، كما أنها رهينة بجودة الدعائم التربوية الخمس: التعليم، التعلم، التثقيف، التوجيه، التأهيل، التي تزود الطفل بآليات النقد والاختيار من أجل تنمية وعيه وتحقق المعنى فيه.

وإذا استحضرنا هنا رؤية موران في التعقيد التي تؤكد أن الكل أكبر من مجموع الأجزاء، وأن خصائص الكل لا تختزل في خصائص الأجزاء، أدركنا أن المشروع الشخصي ليس مجرد انعكاس للمشروع المجتمعي أو نسخة مصغرة منه، وإنما هو إعادة بناء إبداعية له، تخضع لمنطق التركيب والتوفيق بين ثلاثة أقطاب متداخلة: قطب الموروث وهو كل ما ينقله الطفل عن طريق الأسرة والمجتمع من قيم ومعايير ومعارف ورؤى، وقطب المدرَك وهو كل ما يكتسبه الطفل عبر تفاعله المباشر مع محيطه وتجاربه الذاتية وما يكتسبه من خبرات، وقطب المبتغَى وهو كل ما يطمح إليه الطفل ويعمل على تحقيقه من أهداف ورؤى مستقبلية. وهذه الأقطاب الثلاثة تتفاعل في حركة جدلية مستمرة تنتج عنها هوية فريدة لكل طفل، وتفسر كيف يمكن لطفلين من الأسرة نفسها أن ينتجا مشروعين شخصيين مختلفين، رغم تعرضهما لنفس الظروف التربوية الأولى. وهذا يؤكد أن الفعل التربوي لا يصنع نماذج متطابقة، وإنما يولد إمكانات متعددة، وأن المشروع الشخصي ليس وجهة نهائية يصل إليها الطفل، وإنما هو مسار متجدد من التحقق الذاتي، يرافقه وعي متصاعد بالقدرة على الاختيار والتمييز، وإرادة متنامية للمشاركة في بناء العالم المشترك.

ثالثاً: المدرسة والمشروع الشخصي بين وظيفة الدولة ووظيفة المجتمع

إذا كانت الأسرة وسيطاً أولياً في نقل المشروع المجتمعي إلى المشروع الشخصي، فإن الدولة، باعتبارها القائمة على المشروع المجتمعي وإدارته في الحاضر وتوجيهه في المستقبل، سعت إلى هندسة المدرسة لتعويض الأسرة في هذه المهمة، أو في أحسن الأحوال مساعدتها على القيام بوظيفتها على هذا المستوى. فصارت المدرسة، باعتبارها مؤسسة من مؤسسات الدولة ومؤسسة من مؤسسات المجتمع معاً، هي الجهاز المناط به التكفل بتوجيه الطفل نحو مشروع شخصي ضمن اختيارات الدولة نفسها، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن إرادة المجتمع وتطلعاته، وفي صلب إرادة المجتمع وتطلعاته تقع إرادة الأسرة وتطلعاتها، سواء نحو تثبيت موقعها في بنية المجتمع، أو تجديده في نسخة جديدة ومتقدمة، أو من حيث تطلعها نحو التمكن من مصعد اجتماعي ينقل أبناءها من موقعها في الحاضر إلى موقع أفضل في المستقبل.

وهذا الموقع المزدوج يجعل من المدرسة مسرحاً لتجاذب قوتين قد تتوافقان وقد تتصادمان: فمن جهة، تمثل الدولة في المدرسة إرادة الضبط والتوحيد والتخطيط، لأن المشروع المجتمعي الرسمي يحتاج إلى قنوات منظمة لنقل نفسه وإعادة إنتاج شرعيته، ومن جهة أخرى، يمثل المجتمع في المدرسة إرادة التنوع والمقاومة والابتكار، لأن المجتمع الحي ليس نسخة طبق الأصل عن إرادة الدولة، وإنما هو فضاء لتعدد المصالح والرؤى والمرجعيات.

وهذا التجاذب يجعل المدرسة تعيش وضعاً إشكالياً: فهي مدعوة من الدولة إلى إنتاج مواطن مطابق(مُنَمْذَج) في حدود ما، ومدعوة من المجتمع إلى إنتاج ذات محققة لذاتها في حدود ما، وبين هاتين الدعوتين يولد المشروع الشخصي في المدرسة ككائن هجين يحمل بصمات الضبط الرسمي وبصمات الارتقاء المجتمعي معاً. وتتصور المدرسة المشروع الشخصي من ثلاث زوايا نظر متداخلة ومتنافسة أحياناً: الزاوية الأولى تنظر إلى المشروع الشخصي باعتباره هدفاً للتنمية الذاتية، حيث يكون الطفل غاية لا وسيلة، وتستند إلى فلسفة تربوية ترى أن المشروع الشخصي لا يمكن أن يفرض من الخارج، وإنما يجب أن ينمو من الداخل عبر عملية اكتشاف ذاتي مدعومة بأدوات معرفية ونفسية سليمة. والزاوية الثانية تنظر إلى المشروع الشخصي باعتباره أداة للتكيف الاجتماعي، حيث يكون الطفل مواطناً فاعلاً يحتاج إلى استبطان القيم الاجتماعية الأساسية واكتساب المهارات التي تمكنه من المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، والتكيف مع متغيرات المجتمع ومتطلباته. والزاوية الثالثة تنظر إلى المشروع الشخصي باعتباره رهاناً استراتيجياً للدولة، حيث تصبح المدرسة الفضاء الذي تحقق فيه الدولة أهدافها الاستراتيجية في التخطيط للمستقبل، وترى في المشروع الشخصي للطفل استثماراً طويل المدى في الرأسمال البشري، وفي القدرات الإنتاجية والابتكارية التي ستحتاجها في العقود القادمة، وفي هذا الإطار تأتي المخططات الاستراتيجية التي يتم على أساسها إعداد الأجيال للمستقبل، على أساس أن لكل جيل رهاناته المستقبلية من منظور الدولة المخططة، ومن ثم فكل جيل يحتاج إلى رؤية استراتيجية ملائمة في ضوء باقي مخططات الدولة ذات الصلة بمنظومة العلق؛ بما يعني أن التخطيط التربوي، والذي يعد التوجيه المدرسي والجامعي والمهني وجها من أوجهه، يتم في علاقة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والثقافية والرقمية، مع الأخذ بعين الاعتبار درجات الاختلاف والميل في الأولويات الاستراتيجية للدولة أو الأولويات التكتيكية للسياسات العمومية القطاعية التي تنهجها السلطات التنفيذية والإدارية.

وعليه، فالمدرسة التي تنجح في التوفيق بين هذه الزوايا الثلاث هي التي تستطيع أن تحقق التوازن الدينامي بين احترام خصوصية الطفل وتفرده، والاندماج في المجتمع وقواعده، وتلبية متطلبات الدولة الاستراتيجية، وهذا التوازن لا يتحقق تلقائياً، وإنما يتطلب مرونة في النموذج البيداغوجي، تسمح بهامش للاختيار والتخصيص(التفريد)، والتنويع في الأنشطة التي تغطي المجالات المعرفية والعلمية والفنية والبدنية والاجتماعية؛ كما تسمح بالحضور القوي للتوجيه والإرشاد الذي يساعد الطفل على فهم نفسه، واختيار مساره، دون فرض إرادة الدولة أو الأسرة، في إطار شراكة حقيقية مع الأسرة والمجتمع، بحيث لا تكون المدرسة منعزلة عن محيطها، وإنما في حوار دائم معه. لكن هناك تناقضاً خفياً تعيشه المدرسة في تصورها للمشروع الشخصي، يتمثل في التوتر بين صناعة المطابقة وإنتاج التميز، فمن ناحية تحتاج الدولة إلى مواطنين متطابقين إلى حد كبير في القيم الأساسية والقوانين واللغة والمرجعيات الثقافية، لأن هذا شرط تماسك المجتمع واستمراره، ومن ناحية أخرى، تحتاج الدولة والمجتمع معاً إلى مبدعين ومتميزين ومختلفين لأن هذا شرط التقدم والتجديد. وهذا التناقض يضع المدرسة في موقف صعب، فهي مطالبة بتوحيد الأسس وتنويع المخرجات، ويصير المشروع الشخصي في هذا السياق مساحة للتفاوض بين هذين المطلبين، حيث يتاح للطفل أن يختلف في التفاصيل من اختياراته المهنية وأسلوبه الإبداعي ومجالات اهتمامه، مع بقائه ضمن الإطار العام للقيم والمعايير المجتمعية، والمدرسة الناجحة هي التي تفهم أن التوحيد يجب أن يطال الحد الأدنى المشترك من القيم الأساسية والكفايات الأساسية والمهارات الأساسية واللغة المشتركة، بينما يجب أن يطال التنويع الحد الأقصى من الإمكانات بتنمية المواهب الفردية وتشجيع الابتكار واحترام الاختلافات الثقافية والاجتماعية.

رابعا: التوجيه في الخطاب الرسمي: بين الاعتراف النظري والقصور التطبيقي

جاء المرسوم 2.20.771 الصادر في 6 مارس 2026، بالجريدة الرسمية عدد 7489 بتاريخ 09 مارس 2026 ليكرس، ولأول مرة في تاريخ التشريع التربوي المغربي (مرسوم بدل قرار)، مفهوم المشروع الشخصي للمتعلم بوصفه محوراً للفعل التربوي والتوجيهي. معتبرا في مادته السادسة أن المشروع الشخصي للمتعلم ” سيرورة ينخرط فيها هذا الأخير من أجل تحديد هدف مهني أو تكويني يطمح إلى تحقيقه مستقبلا، وتحديد المسالك الدراسية والمسارات المهنية المؤدية إليه، وخطته الشخصية لبلوغه، والخيارات البديلة في حالة تعثره في الوصول إلى هذا الهدف”.

وهذا الاعتراف الرسمي بالمشروع الشخصي يعد تقدماً نوعياً يستحق التنويه، إذ ينتقل بالخطاب التربوي من منطق التوجيه كإجراء إداري يقوم على الاختيار والتصنيف، إلى منطق التوجيه كسيرورة مرافقة تضع المتعلم في قلب العملية التربوية، وتسعى إلى تمكينه من بناء مشروعه الخاص وفق ميولاته وقدراته، وبذلك يكون التوجيه قد اتخذ موقعه المناسب كمكون من بين مكونات النموذج البيداغوجي. وقد أحسن المرسوم بتحديد مراحل متدرجة للمشروع الشخصي تبدأ من التعليم الابتدائي وصولاً إلى التعليم العالي، وأقر بضرورة المرونة وإعادة التوجيه، وأنشأ بنيات مؤسساتية للتنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية، واعترف بأهمية تكوين الموارد البشرية المتخصصة وتأهيلها. وهذه الإيجابيات تجعل المرسوم خطوة في الاتجاه الصحيح، وتستجيب جزئياً للدعوة الرامية إلى “إرساء آليات للتتبع المنتظم للمشروع الشخصي”، وتوسيع “إمكانات التوجيه وإعادة التوجيه طوال المسار الدراسي والتكويني والجامعي للمتعلم”.

لكن هذا الاعتراف الرسمي يظل محكوماً بثلاثة قصور جوهريـة تحول دون تحويل النص القانوني إلى ممارسة تربوية تحررية، تليق برؤية التربية كفعل في الوعي لتحريره، وفعل في المعنى لإغنائه. يتمثل القصور الأول في تغليب البعد الأداتي والاقتصادي على البعد الأنطولوجي والوجودي، إذ يختزل المرسوم المشروع الشخصي في “هدف دراسي أو تكويني مرتبط بهدف مهني يطمح المتعلم إلى تحقيقه مستقبلاً”، متجاهلاً أن المشروع الشخصي هو فعل أنطولوجي يعيد تعريف علاقة الذات بالأمة والماضي والمستقبل والمعنى والوجود، وهو مشروع التقدم على مسار الحرية والكرامة والعدالة، قبل أن يكون مشروعاً اقتصادياً. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فبينما يجب النظر إلى المشروع الشخصي من زاوية “الارتقاء المزدوج” الذي لا يتحقق إلا بتحرر الفرد وتحقيق ذاته، نجد المرسوم ينظر إليه من زاوية “الإدماج في الحياة العملية”، وكأن غاية التربية هي إنتاج يد عاملة ماهرة لا إنساناً واعياً حراً.

ويتمثل القصور الثاني في غياب الرؤية المركبة التي تستثمر منهج التعقيد، حيث تتعامل النصوص الرسمية مع المشروع الشخصي كسيرورة خطية يمكن تنظيمها إدارياً وتقسيمها إلى مراحل، متجاهلة الطبيعة الجدلية والارتدادية التي تميز العلاقة بين المشروع الشخصي والمشروع المجتمعي. فالعلاقة بينهما “حركة تبادلية حوارية” يعود فيها المشروع الشخصي ليؤثر في المشروع المجتمعي، بينما المرسوم يختزل هذه العلاقة في مسار أحادي الاتجاه من الدولة والمجتمع إلى المتعلم، مما يحرم التربية من طابعها التشاركي، ويجعل المشروع الشخصي مجرد انعكاس للمشروع المجتمعي، لا إعادة بناء إبداعية له، كما تذهب إلى ذلك الرؤية المركبة.

أما القصور الثالث فيتمثل في عدم ترجمة المرسوم للالتزامات الأخلاقية والوجودية التي تضمنتها الرؤية التربوية المتقدمة، خاصة ما يتعلق بـ”الاعتراف بكرامة الطفل واستقلاليته”، و”إشراك الطفل في القرارات التي تخصه”، و”احترام إيقاع النمو الطبيعي”، و”الاعتراف بحق الطفل في الخطأ والتجربة”؛ حيث تظل هذه الأبعاد جوهرية في بناء مشروع شخصي حقيقي، لأن المشروع الشخصي لا يُبنى بقدر ما يُكتشف في الذات وفي الواقع وفي مساحة التفاعل القائم بينهما، ويُختبر ويعاد تشكيله في حركة لا تتوقف من التجربة والخطأ والتعلم. فالطفل مثلا، في مرحلة ما قد يحلم بأن يصير طبيبا وهو يجيب عن سؤال معلمه أو يتفاعل مع أسرته. ومع تقدمه في النضج واحتكاكه بالواقع ومع أقرانه وزملائه قد يغير اتجاه طموحه نحو الهندسة، ثم مع تقدمه في النضج وتراكم خبرته وتحقق الوعي والمعنى في ذاته، بشكل أكثر تطورا، قد يغير اتجاه طموحه نحو علوم البيانات والبرمجة أو ربما نحو اتجاه آخر تماما، نحو الفلسفة أو الأدب أو القانون، فيصير طموحه هذا خارج مشروع الأسرة وخارج مشروع الدولة المدرسي، لكنه لم يخرج عن المشروع المجتمعي الذي هو نتاج تفاعلات معقدة تتجاوز الإرادات المختزلة.

وهكذا، يظل الخطاب الرسمي، في صورته الراهنة، يعترف بالمشروع الشخصي نظرياً لكنه يقصر في تجسيده عملياً، لأنه يظل أسير النظرة الأداتية إلى التربية والمتعلم معاً، عاجزاً عن تجاوز الثنائيات المألوفة، ومقصّراً في تحقيق التوازن الدينامي بين صناعة المطابقة وإنتاج التميز، وبين وظيفة الدولة ووظيفة المجتمع، وبين الضبط الرسمي والتحرر المجتمعي. ولعل أخطر ما في هذا القصور أنه يحول المشروع الشخصي إلى إجراء تقني يمارس في مؤسسات التربية والتعليم والتكوين، بدل أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية تنتج في الأسرة وفي المدرسة وفي الإعلام وفي الفضاءات الرقمية وفي كل فضاء للحياة. وهذا يستدعي، بناء “عقد اجتماعي تربوي جديد يتجاوز النظرة الأداتية إلى المدرسة والطفل”، ويجعل من المشروع الشخصي مشروعاً مجتمعياً بامتياز، لا يتحقق إلا بتضافر جهود جميع الفاعلين، كل من موقعه، في إطار من التشارك والتعاون، لا من التنافس والإلغاء، ومن الحوار والدعم والتمكين، لا من القسر والتوحيد والنمذجة.

خامساً: التزامات الدولة والمجتمع في توجيه المشروع الشخصي نحو الارتقاء المزدوج

إذا كانت الأسرة والمدرسة معاً تتقاسمان وظيفة توجيه الطفل نحو بناء وتدقيق مشروعه الشخصي، فإنه لا يمكن تحميلهما وحدهما مسؤولية نجاح أو فشل هذا التوجيه، إذ تتحمل الدولة والمجتمع، كل من موقعه، التزامات جوهرية تضمن أن يسير المشروع الشخصي في اتجاه الارتقاء المزدوج، الفردي والجماعي. وهذه الالتزامات تتوزع على مستويات متداخلة لا يمكن الفصل بينها، وفق ما يمليه منطق التعقيد الذي يرى في كل ظاهرة نسقاً مترابطاً لا ينفصل.

تأتي الالتزامات السياسية والتشريعية في طليعة هذه المستويات، وتتجلى في ضمان الحق في التعليم الجيد، وهو حق لا يقتصر على توفير مقاعد دراسية (تعميم الولوج) وإنما يتعداه إلى ضمان الحضور (تعميم الاحتفاظ)، إلى جودة التعليم في جميع المؤسسات والحد من التفاوت بين المدارس العامة والخاصة وبين المدن والقرى وبين الأغنياء والفقراء (تعميم الجودة). لماذا؟ لأن العدالة التربوية هي الشرط الأول لتحقيق تكافؤ الفرص في بناء المشروع الشخصي، وتتطلب أيضاً إقرار سياسات تعليمية مرنة لا تفرض نموذجاً واحداً للطفل الناجح، وإنما تعترف بتعدد الذكاءات، وتنوع المواهب، وقدرات التعلم المختلفة، من خلال تنويع المسارات التعليمية والمهنية وإدماج التعليم الفني والمهني بقوة في المنظومة، وتوفير برامج دعم جماعات التعلم في وضعيات تعثر أو صعوبة أو إعاقة. وتشمل هذه الالتزامات أيضاً حماية الطفل من كل أشكال الاستغلال والعنف، فلا يمكن للمشروع الشخصي أن ينمو في بيئة تفتقد للأمان الجسدي والنفسي، ومن ثم فإن سن قوانين تحمي الطفل من العنف الأسري والمدرسي ومكافحة عمل الأطفال وزواج القاصرات وتوفير آليات للإبلاغ والحماية، تُعد من صميم مسؤولية الدولة، فضلاً عن ربط التعليم بالتنمية الشاملة بحيث تتجاوز الدولة النظر إلى التعليم باعتباره استثماراً اقتصادياً فقط، وإنما باعتباره استثماراً في الإنسان ككل، من خلال تضمين النموذج البيداغوجي أبعاداً ثقافية وفنية وأخلاقية، وربط المدرسة بخطط التنمية المحلية والوطنية، وجعل التعليم أداة للتنمية المستدامة لا مجرد أداة للنمو الاقتصادي.

أما الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية فتتجلى في توفير بيئة أسرية كريمة، فالأسرة هي المحضن الأول للمشروع الشخصي، الذي تنعس مردوديته على الدولة والمجتمع في آخر المطاف، وعلى رأس هذه المردودية تأمين استدامة الاستقرار الاجتماعي، لكنها لا تستطيع أداء وظيفتها دون دعم اقتصادي واجتماعي، ومن ثم يتعين على الدولة توفير دعم مادي للأسر الفقيرة من منح وإعانات وتغذية مدرسية، وضمان سكن لائق وأمن غذائي وصحي، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتعثرة، كما أن محاربة الفقر والهشاشة ليست مسؤولية اقتصادية فقط، وإنما هي مسؤولية تربوية بامتياز، لأن الفقر يحرم الطفل من فرص النمو والتطور، ويقصيه عن المشاركة الفعالة في المجتمع. ولا يكفي أن نوجه الطفل نحو مشروع شخصي دون أن نوفر له أدوات تحقيقه، وفي مقدمتها منح دراسية للمتفوقين والمحتاجين على حد سواء، وربما أيضا قروض ميسرة، وبرامج تكوين مهني مواكبة لسوق العمل، وشراكات مع القطاع الخاص لتوفير فرص التدريب والتوظيف، إلى جانب تشجيع المشاركة المجتمعية من خلال إحداث جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ وتشجيعها بما يجعلها قادرة على القيام بأدوارها على الوجه المطلوب كشريك حقيقي في دعم وظيفة التنشئة الاجتماعية والتطوع للمساهمة الجدية في توسيع دائرة اشتغال دعائم التنشئة الاجتماعية الخمس بدل أن تبقى هذه الجمعيات مجرد تنظيمات شكلية أو ثانوية أو تنحصر مهمتها في مراقبة المدرسة ومجتمع التعلم التي هي مكون من مكوناته.

وتبرز الالتزامات الثقافية والقيمية في بناء ثقافة تقدير العلم والمعرفة، فلا يمكن للمدرسة أن تنجح في بناء مشروع شخصي قوي إذا كان المجتمع لا يقدر العلم والمعرفة ولا يحترم المعلمين والمتعلمين، ومن هنا تقع على الدولة والمجتمع مسؤولية الإعلام عن نماذج ناجحة ومبدعة، وتكريم المعلمين والمتعلمين المتميزين، وجعل العلم قيمة اجتماعية عليا لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة، إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار والتسامح، فالمشروع الشخصي لا ينمو في بيئة تسودها الإقصاء والتعصب، ومن ثم، فإن نشر ثقافة الحوار، واحترام الآخر، ومكافحة التمييز بكل أشكاله العرقي والديني والجندري والاجتماعي، وبناء جسور التواصل بين مختلف مكونات المجتمع تُعد من صميم الالتزامات المجتمعية. ويحتاج الطفل كذلك إلى أن يشعر بجذوره الثقافية لينمو مشروعه الشخصي في سياق هويته، مع الانفتاح على الثقافات الأخرى، ليكون قادراً على العيش في عالم معولم، وهذا التوازن لا يتحقق إلا بوعي مجتمعي ودعم سياسي، من خلال حماية التراث الثقافي مع الانفتاح على العالمية في آن واحد.

وتقتضي الالتزامات التنظيمية والمؤسسية تكامل مؤسسات التنشئة في وظيفتها، فلا يمكن للأسرة والمدرسة أن تعملا بمعزل عن بقية مؤسسات المجتمع كالإعلام والأندية والمؤسسات الثقافية والفضاءات الرقمية، ومن ثم، فإن تنسيق السياسات عبر جميع هذه المؤسسات ووضع أطر تنظيمية تشجع التكامل وتحد من التناقض ومراقبة جودة الخطاب الإعلامي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق